فصل: تفسير الآية رقم (46)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏وَقُلْنَا يائادم اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة‏}‏ عطف على ‏{‏إِذَ قُلْنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 4 3‏]‏ بتقدير إذ أو بدونه أو على قلنا والزمان ممتد واسع للقولين، وتصدير الكلام بالنداء لتنبيه المأمور لما يلقى إليه من الأمر وتحريكه لما يخاطب به إذ هو من الأمور التي ينبغي أن يتوجه إليها، و‏(‏ أسكن‏)‏ أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن لا من السكون ترك الحركة إذ ينافيه ظاهراً ‏{‏حَيْثُ شِئْتُمَا‏}‏ وذكر متعلقه بدون في وليس بمكان مبهم و‏{‏أَنتَ‏}‏ توكيد للمستكن في ‏{‏اسكن‏}‏، والمقصود منه بالذات صحة العطف إذ لولاه لزم العطف على الضمير المتصل بلا فصل وهو ممتنع في الفصيح على الصحيح، وإفادة تقرير المتبوع مقصودة تبعاً، وصح العطف مع أن المعطوف لا يباشره فعل الأمر لأنه وقع تابعاً، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوع، وقيل‏:‏ هناك تغليبان تغليب المخاطب على الغائب والمذكر على المؤنث، ولكون التغليب مجازاً ومعنى السكون والأمر موجوداً فيهما حقيقة خفي الأمر، فأما أن يلتزم أن التغليب قد يكون مجازاً غير لغوي بأن يكون التجوز في الإسناد، أو يقال إنه لغوي لأن صيغة الأمر هنا للمخاطب وقد استعملت في الأعم، وللتخلص عن ذلك قيل‏:‏ إنه معطوف بتقدير فليسكن، وفيه أنه حينئذ يكون من عطف الجملة على الجملة فلا وجه للتأكيد، والأمر يحتمل أن يكون للإباحة كاصطادوا وأن يكون للوجوب كما أن النهي فيما بعد للتحريم، وإيثاره على اسكنا للتنبيه على أنه عليه السلام المقصد بالحكم في جميع الأوامر وهي تبع له كما أنها في الخلقة كذلك، ولهذا قال بعض المحققين‏:‏ لا يصح إيراد زوجك بدون العطف بأن يكون منصوباً على أنه مفعول معه، والجنة في المشهور دار الثواب للمؤمنين يوم القيامة لأنها المتبادرة عند الاطلاق ولسبق ذكرها في السورة، وفي ظواهر الآثار ما يدل عليه، ومنها ما في الصحيح من محاجة آدم وموسى عليهما السلام فهي إذن في السماء حيث شاء الله تعالى منها، وذهب المعتزلة وأبو مسلم الأصفهاني وأناس إلى أنها جنة أخرى خلقها الله تعالى امتحاناً لآدم عليه السلام وكانت بستاناً في الأرض بين فارس وكرمان، وقيل‏:‏ بأرض عدن، وقيل‏:‏ بفلسطين كورة بالشام ولم تكن الجنة المعروفة، وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في ‏{‏اهبطوا مِصْرًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 16‏]‏ أو على ظاهره، ويجوز أن تكون في مكان مرتفع قالوا‏:‏ لأنه لا نزاع في أنه تعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان نقله إليها لكان أولى بالذكر ولأنه سبحانه قال في شأن تلك الجنة وأهلها ‏{‏لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قَلِيلاً سلاما سلاما‏}‏

‏[‏الواقعة‏:‏ 5 2، 6 2‏]‏ و‏{‏لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 3 2‏]‏ ‏{‏وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 8 4‏]‏ وقد لغا إبليس فيها وكذب وأخرج منها آدم وحواء مع إدخالهما فيها على وجه السكنى لا كإدخال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج‏.‏ ولأن جنة الخلد دار للنعيم وراحة وليست بدار تكليف، وقد كلف آدم أن لا يأكل من الشجرة ولان إبليس كان من الكافرين وقد دخلها للوسوسة ولو كانت دار الخلد ما دخلها ولا كاد لأن الأكابر صرحوا بأنه لوجىء بالكافر إلى باب الجنة لتمزق ولم يدخلها لأنه ظلمة وهي نور ودخوله مستتراً في الجنة على ما فيه لا يفيد، ولأنها محل تطهير فكيف يحسن أن يقع فيها العصيان والمخالفة ويحل بها غير المطهرين ولأن أول حمل حواء كان في الجنة على ما في بعض الآثار ولم يرد أن ذلك الطعام اللطيف يتولد منه نطفة هذا الجسد الكثيف، والتزام الجواب عن ذلك كله لا يخلو عن تكلف، والتزام ما لا يلزم وما في حيز المحاجة يمكن حمله على هذه الجنة وكون حملها على ما ذكر يجري مجرى الملاعبة بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين غير مسلم، وقيل‏:‏ كانت في السماء وليست دار الثواب بل هي جنة الخلد، وقيل‏:‏ كانت غيرهما ويرد ذلك أنه لم يصح أن في السماء بساتين غير بساتين الجنة المعروفة، واحتمال أنها خلقت إذ ذاك ثم اضمحلت مما لا يقدم عليه منصف، وقيل‏:‏ الكل ممكن والله تعالى على ما يشاء قدير والأدلة متعارضة، فالأحوط والأسلم هو الكف عن تعيينها والقطع به، وإليه مال صاحب «التأويلات»، والذي ذهب إليه بعض سادتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم أنها في الأرض عند جبل الياقوت تحت خط الاستواء ويسمونها جنة البرزخ وهي الآن موجودة وإن العارفين يدخلونها اليوم بأرواحهم لا بأجسامهم ولو قالوا‏:‏ إنها جنة المأوى ظهرت حيث شاء الله تعالى وكيف شاء كما ظهرت لنبينا صلى الله عليه وسلم على ما ورد في الصحيح في عرض حائط المسجد لم يبعد على مشربهم ولو أن قائلاً قال بهذا لقلت به لكن للتفرد في مثل هذه المطالب آفات‏.‏ وكما اختلف في هذه الجنة اختلف في وقت خلق زوجه عليه السلام، فذكر السدي عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكنها آدم بقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به قألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من جانبه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدة فسألها من أنت‏؟‏ قالت‏:‏ امرأة قال ولم خلقت‏؟‏ قالت‏:‏ لتسكن إليّ فقالت الملائكة تجربة لعلمه‏:‏ من هذه‏؟‏ قال‏:‏ امرأة قالوا‏:‏ لم سميت امرأة‏؟‏ قال‏:‏ لأنها خلقت من المراء فقالوا‏:‏ ما اسمها‏؟‏ قال‏:‏ حواء قالوا‏:‏ لم سميت حواء‏؟‏ قال‏:‏ لأنها خلقت من شيء حي‏.‏

وقال كثيرون ولعلي أقول بقولهم إنها خلقت قبل الدخول ودخلا معاً، وظاهر الآية الكريمة يشير إليه وإلا توجه الأمر إلى معدوم وإن كان في علمه تعالى موجوداً، وأيضاً في تقديم ‏(‏زوجك‏)‏ على ‏(‏الجنة‏)‏ نوع إشارة إليه وفي المثل، الرفيق قبل الطريق‏.‏ وأيضاً هي مسكن القلب، والجنة مسكن البدن، ومن الحكمة تقديم الأول على الثاني، وأثر السدي على ما فيه مما لا يخفى عليك معارض بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور حتى أدخلوهما الجنة فإنه كما ترى يدب على خلقها قبل دخول الجنة‏.‏

‏{‏وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا‏}‏ الضمير المجرور للجنة على حذف مضاف أي من مطاعمها من ثمار وغيرها فلم يحظر عليهما شيئاً إلا ما سيأتي، وأصل كُلاَ أأكلا بهمزتين الأولى للوصل، والثانية فاء الكلمة فحذفت الثانية لاجتماع المثلين حذف شذوذ وأتبعت بالأولى لفوات الغرض، وقيل‏:‏ حذفا معا لكثرة الاستعمال والرغد بفتح الغين وقرأ النخعي بسكونها الهنيّ الذي لا عناء فيه أو الواسع، يقال‏:‏ رغد عيش القوم، ورغد بكسر الغين وضمها كنوا في رزق واسع كثير، وأرغد القوم أخصبوا وصاروا في رغد من العيش، ونصبه على أنه نعت لمصدر محذوف، أي أكلاً رغداً‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ إنه حال بتأويل راغدين مرفهين، و‏(‏ حيث‏)‏ ظرف مكان مبهم لازم للظرفيه، وإعرابها لغة بني فقعس ولا تكون ظرف زمان خلافاً للأخفش، ولا يجزم بها دون ‏(‏ما‏)‏ خلافاً للفراء، ولا تضاف للمفرد خلافاً للكسائي؛ ولا يقال‏:‏ زيد حيث عمرو خلافاً للكوفيين ويعتقب على آخرها الحركات الثلاث مع الياء والواو والألف ويقال‏:‏ حايث على قلة وهي هنا متعلقة بِكُلاَ، والمراد بها العموم لقرينة المقام وعدم المرجح أي أيّ مكان من الجنة شئتما وأباح لهما الأكل كذلك إزاحة للعذر في التناول مما حظر، ولم تجعل متعلقة بـ ‏{‏اسكن‏}‏، لأن عموم الأمكنة مستفاد من جعل الجنة مفعولا به له، مع أن التكريم في الأكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى ولأن قوله تعالى في آية أخرى‏:‏ ‏{‏فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 19‏]‏ يستدعي ما ذكرنا، وكذا قوله سبحانه‏:‏

‏{‏وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين‏}‏ ظاهر هذا النهي التحريم، والمنهي عنه الأكل من الشجرة، إلا أنه سبحانه نهى عن قربانها مبالغة، ولهذا جعل جل شأنه العصيان المرتب على الأكل مرتباً عليه، وعدل عن فتأثما إلى التعبير بالظلم الذي يطلق على الكبائر، ولم يكتف بأن يقول‏:‏ ظالمين، بل قال‏:‏ ‏{‏مِنَ الظالمين‏}‏ بناء على ما ذكروا أن قولك‏:‏ زيد من العالمين، أبلغ من زيد عالم لجعله غريقاً في العلم إباً عن جد، وإن قلنا بأن ‏(‏تكونا‏)‏ دالة على الدوام ازدادت المبالغة، ومن الناس من قال‏:‏ لا تقرب بفتح الراء نهي عن التلبس بالشيء وبضمها بمعنى لا تدن منه، وقال الجوهري‏:‏ قرب بالضم يقرب قربادنا وقربته بالكسر قربانا دونت منه‏.‏

والتاء في ‏(‏الشجرة‏)‏ للوحدة الشخصية وهو اللائق بمقام الازاحة وجاز أن يراد النوع، وعلى التقديرين اللام للجنس كما في «الكشف» ووقع خلاف في هذه الشجرة، فقيل‏:‏ الحنطة، وقيل‏:‏ النخلة، وقيل‏:‏ شجرة الكافور ونسب إلى علي كرم الله تعالى وجهه وقيل‏:‏ التين، وقيل‏:‏ الحنظل، وقيل‏:‏ شجرة المحبة، وقيل‏:‏ شجرة الطبيعة والهوى وقيل، وقيل‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ والأولى‏:‏ عدم القطع والتعيين كما أن الله تعالى لم يعينها باسمها في الآية ولا أرى ثمرة في تعيين هذه الشجرة ويقال‏:‏ فيها شجرة بكسر الشين وشيرة بإبدال الجيم ياءاً مفتوحة مع فتح الشين وكسرها وبكل قرأ بعض، وعن أبي عمرو أنه كره شيرة قائلاً‏:‏ إن برابر مكة وسودانها يقرؤون بها ولا يخفى ما فيه، والشجر ماله ساق أو كل ما تفرع له أغصان وعيدان، أو أعم من ذلك لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 146‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَكُونَا‏}‏ إما مجزوم بحذف النون معطوفاً على ‏{‏تَقْرَبَا‏}‏ فيكون منهيا عنه وكان على أصل معناها، أو منصوب على أنه جواب للنهي كقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 1 8‏]‏ والنصب باضمار ‏(‏أن‏)‏ عند البصريين وبالفاء نفسها عند الجرمى، وبالخلاف عند الكوفيين و‏(‏ كان‏)‏ حينئذ بمعنى صار، وأياً ما كان من تفهم سببية ما تقدم لكونها ‏(‏من الظالمين‏)‏ أي الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعصية أو نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم أو تعدوا حدود الله تعالى، ولعل القربان المنهي عنه الذي يكون سبباً للظلم المخل بالعصمة هو ما لا يكون مصحوباً بعذر كالنسيان هنا مثلاً المشار إليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 5 11‏]‏ فلا يستدعي حمل النهي على التحريم، والظلم المقول بالتشكيك على ارتكاب المعصية عدم عصمة آدم عليه السلام بالأكل المقرون بالنسيان وإن ترتب عليه ما ترتب نظراً إلى أن حسنات الأبرار سيآت المقربين وللسيد أن يخاطب عبده بما شاء، نعم لو كان ذلك غير مقرون بعذر كان ارتكابه حينئذ مخلا ودون إثبات هذا خرط القتاد فإذاً لا دليل في هذه القصة على عدم العصمة، ولا حاجة إلى القول إن ما وقع كان قبل النبوة لا بعدها كما يدعيه المعتزلة القائلون بأن ظهوره مع علمه بالأسماء معجزة على نبوته إذ ذاك‏.‏ وصدور الذنب قبلها جائز عند أكثر الأصحاب وهو قول أبي هذيل وأبي علي من المعتزلة ولا إلى حمل النهي على التنزيه والظلم على نقص الحظ مثلاً والتزمه غير واحد وقرىء ‏{‏تَقْرَبَا‏}‏ بكسر التاء وهي لغة الحجازيين، وقرأ ابن محيض ‏{‏هذي‏}‏ بالياء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا‏}‏ أي حملهما على الزلة بسببها، وتحقيقه أصدر زلتهما عنها وعن هذه مثلها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ‏}‏ ‏[‏التوبه‏:‏ 4 11‏]‏ والضمير على هذا للشجرة، وقيل‏:‏ أزلهما أن أذهبهما، ويعضده قراءة حمزة فأزالهما وهما متقاربان في المعنى غير أن أزلّ يقتضي عثرة مع الزوال والضمير حينئذ للجنة وعوده إلى الشجرة بتجوز، أو تقدير مضاف أي محلها أو إلى الطاعة المفهومة من الكلام بعيد، وإزلاله عليه اللعنة إياهما عليهما السلام كان بكذبه عليهما ومقاسمته على ما قص الله تعالى في كتابه، وفي كيفية توسله إلى ذلك أقوال، فقيل‏:‏ دخل الجنة ابتلاء لآدم وحواء، وقيل‏:‏ قام عند الباب فناداهما، وأفسد حالهما، وقيل‏:‏ تمثل بصورة دابة فدخل ولم يعرفه الخزنة، وقيل‏:‏ أرسل بعض أتباعه إليهما‏.‏ وقيل‏:‏ بينما هما يتفرجان في الجنة إذ راعهما طاووس تجلى لهما على سور الجنة فدنت حواء منه وتبعها آدم فوسوس لهما من وراء الجدار، وقيل‏:‏ توسل بحية تسورت الجنة ومشهور حكاية الحية وهذان الأخيران يشير أولهما‏:‏ عند ساداتنا الصوفية إلى توسله من قبل الشهوة خارج الجنة، وثانيهما‏:‏ إلى توسله بالغضب، وتسور جدار الجنة عندهم إشارة إلى أن الغضب أقرب إلى الأفق الروحاني والحيز القلبي من الشهوة، وقيل‏:‏ توسله إلى ما توسل إليه إذ ذاك مثل توسله اليوم إلى إذلال من شاء الله تعالى وإضلاله، ولا نعرف من ذلك إلا الهواجس والخواطر التي تفضي إلى ما تفضي، ولا جزم عند كثير من دخول الشيطان في القلب بل لا يعقلونه، ولهذا قالوا‏:‏ خبر «إن الشيطان يجرى من بني آدم مجرى الدم» محمول على الكناية عن مزيد سلطانه عليهم وانقيادهم له، وكأني بك تختار هذا القول، وقال أبو منصور‏:‏ ليس لنا البحث عن كيفية ذلك، ولا نقطع القول بلا دليل، وهذا من الانصاف بمكان، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ‏{‏فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان عَنْهَا‏}‏ والضمير في هذه القراءة للشجرة لا غير، وعوده إلى الجنة بتضمين الأذهاب ونحو بعيد ‏{‏فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ‏}‏ أي من النعيم والكرامة أو من الجنة‏.‏ والأول‏:‏ جار على تقدير رجوع ضمير ‏{‏عَنْهَا‏}‏ إلى الشجرة أو الجنة والثاني‏:‏ مخصوص بالتقدير الأول لئلا يسقط الكلام‏.‏ وقيل‏:‏ أخرجهما من لباسهما الذي ‏{‏كَانَا فِيهِ‏}‏ لأنهما لما أكلاَ تهافت عنهما، وفي الكلام من التفخيم ما لا يخفى ‏{‏وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‏}‏ الهبوط النزول، وعين المضارع تكسر وتضم، وقال المفضل‏:‏ هو الخروج من البلد، والدخول فيها من الأضداد ويقال في انحطاط المنزلة والبعض في الأصل مصدر بمعنى القطع ويطلق على الجزء، وهو ككل ملازم للإضافة لفظاً أو نية ولا تدخل عليه اللام، ويعود عليه الضمير مفرداً ومجموعاً إذا أريد به جمع والعدو من العداوة مجاوزة الحد أو التباعد أو الظلم، ويطلق على الواحد المذكر ومن عداه بلفظ واحد، وقد يقال‏:‏ أعداء وعدوة والخطاب لآدم وحواء، لقوله تعالى‏:‏

‏{‏قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 123‏]‏ والقصة واحدة، وجمع الضمير لتنزيلهما منزلة البشر كلهم، ولما كان في الأمر بالهبوط انحطاط رتبة المأمور لم يفتتحه بالنداء كما افتتح الأمر بالسكنى واختار الفراء أن المخاطب هما وذريتهما وفيه خطاب المعدوم، والمأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وكثير من السلف أنه هما وإبليس واعترض بخروجه قبلهما، وأجيب بأن الإخبار عما قال لهم مفرقاً على أنه لا مانع من المعية وقيل‏:‏ هم والحية، واعترض بعدم تكليفها، وأجيب بأن الأمر تكويني، والجملة الاسمية منصوبة المحل على الحال المقدرة، والحكم باعتبار الذرية وإذا دخل إبليس والحية كان الأمر أظهر، ولا يرد أنه كيف يقيد الأمر بالتعادي وهو منهى عنه لأنا نقول‏:‏ بصرف توجه النظر عن القيد كون العداوة طبيعية والأمور الطبيعية غير مكلف بها وإن كلف فبالنظر إلى أسبابها، وإذا جعل الأمر تكوينياً زال الإشكال إلا أن فيه بعداً وبعضهم يجعل الجملة مستأنفة على تقدير السؤال فراراً عن هذا السؤال مع ما في الاكتفاء بالضمير دون الواو في الجملة الاسمية الحالية من المقال، حتى ذهب الفراء إلى شذوذه، وإن كان التحقيق ما ذكره بعض المحققين أن الجملة الحالية لا تخلو من أن تكون من سبب ذي الحال أو أجنبية فإن كانت من سببه لزمها العائد والواو كجاء زيد، وأبوه منطلق إلا ما شذ من نحو كلمته فوه إلى في وإن أجنبية لزمتها الواو نائبة عن العائد، وقد يجمع بينهما كقدم بشر وعمرو قادم إليه وقد جاءت بلا ولا كقوله‏:‏

ثم انتصبنا جبال الصغد معرضة *** عن اليسار وعن أيماننا جدد

وقد تكون صفة ذي الحال ك ‏{‏تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 38‏]‏ وهذه يجوز فيها الوجهان باطراد، وما نحن فيه من هذا القبيل فتدبر‏.‏

وإفراد العدو إما للنظر إلى لفظ البعض، وإما لأن وزانه وزان المصدر كالقبول، وبه تعلق ما قبله واللام كما في «البحر» مقوية، وقرأ أبو حيوة ‏{‏اهبطوا‏}‏ بضم الباء وهو لغة فيه، وبهذا الأمر نسخ الأمر والنهي السابقان‏.‏

‏{‏وَلَكُمْ فِى الارض مُسْتَقَرٌّ ومتاع إلى حِينٍ‏}‏ أراد بالأرض محل الاهباط، وليس المراد شخصه الذي هو لآدم عليه السلام موضع بجبل سرنديب ولحواء موضع بجدة، ولابليس موضع بالابلة، ولصاحبته موضع بنصيبين أو أصبهان أو سجستان والمستقر اسم مكان أو مصدر ميمي، ويحتمل على بعد كونه اسم مفعول بمعنى ما استقر ملككم عليه وتصرفكم فيه وأبعد منه احتمال كونه اسم زمان؛ وهو مبتدأ خبره ‏{‏لَكُمْ‏}‏ وفيه متعلق بما تعلق به والمتاع البلغة، مأخوذ من متع النهار إذا ارتفع ويطلق على الانتفاع الممتد وقته ولا يختص بالحقير والحين مقدار من الزمان قصيراً أو طويلاً والمراد هنا إلى وقت الموت وهو القيامة الصغرى وقيل‏:‏ إلى يوم القيامة الكبرى، وعليه تجعل السكنى في القبر تمتعاً في الأرض، أويجعل الخطاب شاملاً لابليس ويراد الكل المجموعي والجار متعلق بمتاع، قيل‏:‏ أو به، وبمستقر على التنازع أو بمقدار صفة لمتاع وهذه الجملة كالتي قبلها استئنافاً وحالبة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كلمات‏}‏ المراد بتلقى الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها، فهو مستعار من استقبال الناس بعض الأحبة إذا قدم بعد طول الغيبة لأنهم لا يدعون شيئاً من الإكرام إلا فعلوه، وإكرام الكلمات الواردة من الحضرة الأخذ والقبول والعمل بها، وفي التعبير بالتلقي إيماء إلى أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت في مقام البعد و‏{‏مّن رَّبّهِ‏}‏ حال من ‏{‏كلمات‏}‏ مقدم عليها، وقيل‏:‏ متعلق بـ ‏{‏تُلْقِىَ‏}‏ وهي من تلقاه منه بمعنى تلقنه، ولولا خلوّه عما في الأول من اللطافة لتلقيناه بالقبول، وقرأ ابن كثير بنصب ‏{‏ءادَمَ‏}‏ ورفع ‏{‏كلمات‏}‏ على معنى استقبلته فكأنها مكرمة له لكونها سبب العفو عنه، وقد يجعل الاستقبال مجازاً عن البلوغ بعلاقة السببية، والمروي في المشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن هذه الكلمات هي ‏{‏رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 3 2‏]‏ الآية، وعن ابن مسعود أنها‏:‏ سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‏.‏ وقيل‏:‏ رأى مكتوباً على ساق العرش، محمد رسول الله فتشفع به، وإذا أطلقت الكلمة على عيسى عليه السلام، فلتطلق الكلمات على الروح الأعظم، والحبيب الأكرم صلى الله عليه وسلم، فما عيسى، بل وما موسى، بل وما‏.‏‏.‏ وما‏.‏‏.‏ إلا بعض من ظهور أنواره، وزهرة من رياض أنواره، وروي غير ذلك

‏{‏فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التوب الرحيم‏}‏ التوبة أصلها الرجوع وإذا أسندت إلى العبد كانت كما في الإحياء عبارة عن مجموع أمور ثلاثة علم وهو معرفة ضرر الذنب، وكونه حجاباً عن كل محبوب، وحال يثمره ذلك العلم، وهو تألم القلب بسبب فوات المحبوب، ونسميه ندماً‏.‏ وعمل يثمره الحال وهو الترك والتدارك والعزم على عدم العود، وكثيراً ما تطلق على الندم وحده لكونه لازماً للعلم مستلزماً للعمل‏.‏ وفي الحديث «الندم توبة» وطريق تحصيلها تكميل الإيمان بأحوال الآخرة وضرر المعاصي فيها، وإذا أسندت إليه سبحانه كانت عبارة عن قبول التوبة والعفو عن الذنب ونحوه، أو التوفيق لها والتيسير لأسبابها بما يظهر للتائبين من آياته، ويطلعهم عليه من تخويفاته، حتى يستشعروا الخوف فيرجعوا إليه، وترجع في الآخرة إلى معنى التفضل والعطف، ولهذا عديت بعلى وأتى سبحانه بالفاء لأن تلقي الكلمات عين التوبة، أو مستلزم لها، ولا شك أن القبول مترتب عليه، فهي إذاً لمجرد السببية، وقد يقال‏:‏ إن التوبة لما دام عليها صح التعقيب باعتبار آخرها إذ لا فاصل حينئذ وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنهما بكيا مائتي سنة على ما فاتهما، ولم يقل جل شأنه فتاب عليهما لأن النساء تبع يغني عنهن ذكر المتبوع، ولذا طوى ذكرهن في كثير من الكتاب والسنة، وفي الجملة الاسمية ما يقوي رجاء المذنبين، ويجبر كسر قلوب الخاطئين حيث افتتحها بأن وأتي بضمير الفصل وعرف المسند وأتى به من صيغ المبالغة إشارة إلى قبول التوبة كلما تاب العبد، ويحتمل أن ذلك لكثرة من يتوب عليهم، وجمع بين وصفي كونه تواباً وكونه رحيماً إشارة إلى مزيد الفضل، وقدم التواب لظهور مناسبته لما قبله، وقيل في ذكر الرحيم بعده إشارة إلى أن قبول التوبة ليس على سبيل الوجوب كما زعمت المعتزلة بل على سبيل الترحم والتفضل، وأنه الذي سبقت رحمته غضبه، فيرحم عبده في عين غضبه كما جعل هبوط آدم سبب ارتفاعه، وبعده سبب قربه فسبحانه من تواب ما أكرمه، ومن رحيم ما أعظمه، وإذا فسر التواب بالرجاع إلى المغفرة كان الكلام تذييلاً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَابَ عَلَيْهِ‏}‏ أو بالذي يكثر الإعانة على التوبة كان تذييلا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَلَقَّى ءادَمُ‏}‏ الخ، وقرأ نوفل ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ بفتح الهمزة على تقدير لأنه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا‏}‏ كرر للتأكيد، فالفصل لكمال الاتصال والفاء في ‏{‏فَتَلَقَّى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 7 3‏]‏ للاعتراض، إذ لا يجوز تقدم المعطوف عبى التأكيد، وفائدته الإشارة إلى مزيد الاهتمام بشأن التوبة وأنه يجب المبادرة إليها ولا يمهل فإنه ذنب آخر مع ما في ذلك من إظهار الرغبة بصلاح حاله عليه السلام وفراغ باله، وإزالة ما عسى يتشبث به الملائكة عليهم السلام، وقد فضل عليهم وأمروا بالسجود له، أو كرر ليتعلق عليه معنى آخر غير الأول، إذ ذكر إهباطهم أولاً‏:‏ للتعادي وعدم الخلود، والأمر فيه تكويني‏.‏ وثانياً‏:‏ ليهتدي من يهتدي، ويضل من يضل، والأمر فيه تكليفي، ويسمى هذا الأسلوب في البديع الترديد فالفصل حينئذ للانقطاع لتباين الغرضين، وقيل‏:‏ إن إنزال القصص للاعتبار بأحوال السابقين، ففي تكرير الأمر تنبيه على أن الخوف الحاصل من تصور إهباط آدم عليه السلام المقترن بأحد هذين الأمرين من التعادي والتكليف كاف لمن له حزم، وخلا عن عذر أن تعوقه عن مخالفة حكمه تعالى، فكيف المخالفة الحاصلة من تصور الإهباط المقترن بهما‏؟‏‏؟‏ فلو لم يعد الأمر لعطف ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم‏}‏ على الأول‏:‏ فلا يفهم إلا إهباط مترتب عليه جميع هذه الأمور، ويحتمل على بعد أن تكون فائدة التكرار التنبيه على أنه تعالى هو الذي أراد ذلك، ولولا إرادته لما كان ما كان؛ ولذلك أسند الإهباط إلى نفسه مجرداً عن التعليق بالسبب بعد إسناد إخراجهما إلى الشيطان، فهو قريب من قوله عز شأنه‏:‏ ‏{‏وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 7 1‏]‏ وقال الجبائي‏:‏ إن الأول‏:‏ من الجنة إلى السماء‏.‏ والثاني‏:‏ منها إلى الأرض، ويضعفه ذكر ‏{‏وَلَكُمْ فِى الارض مُسْتَقَرٌّ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6 3‏]‏ عقيب الأول و‏{‏جَمِيعاً‏}‏ حال من فاعل ‏{‏اهبطوا‏}‏ أي مجتمعين، سواء كان في زمان واحد أو لا، وقد يفهم الاتحاد في الزمان من سياق الكلام، كما قيل به في ‏{‏فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 0 3‏]‏ وأبعد ابن عطية فجعله تأكيداً لمصدر محذوف أي هبوطاً جميعاً

‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏‏.‏ لا يدخل في الخطاب غير المكلف، وأدرج الكثيرون إبليس لأنه مخاطب بالإيمان والفار لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر و‏(‏ إما‏)‏ مركبة من إن الشرطية و‏(‏ ما‏)‏ الزائدة للتأكيد، وكثر تأكيد الفعل بعدها بالنون، ولم يجب كما يدل عليه قول سيبويه‏:‏ إن شئت لم تقحم النون، كما أنك إن شئت لم تجيء بما وقد ورد ذلك في قوله‏:‏

يا صاح أما تجدني غير ذي جدة *** فما التخلي عن الخلان من شيمي

وقوله‏:‏

إما أقمت وإما كنت مرتحلا *** فالله يحفظ ما تبقي وما تذر

وحمل ذلك من قال بالوجوب على الضرورة وهو مما لا ضرورة إليه، والقول بأنه يلزم حينئذ مزية التابع الذي هو حرف الشرط على المتبوع وهو الفعل يدفعه أن التابع ومؤكده تابع فلا مزية، أو أن ‏(‏ما‏)‏ لتأكيد الفعل في أوله كما أن النون إذا كانت تأكيداً له في آخره وجيء بحرف الشك إذ لا قطع بالوقوع فإنه تعالى لا يجب عليه شيء بل إن شاء هدى وإن شاء ترك، وقيل‏:‏ بالقطع واستعمال ‏(‏إن‏)‏ في مقامه لا يخلو عن نكتة كتنزيل العالم منزلة غيره بعدم جريه على موجب العلم، ويحسنه سبق ما سيق وقوعه من آدم، وقيل‏:‏ إن زيادة ‏(‏ما‏)‏ والتوكيد بالثقيلة لا يتقاعد في إفادة القطع عن إذا، نعم لا ينظر فيه إلى الزمان بل إلى أنه محقق الوقوع أبهم وقته، وأنت تعلم أن ما اخترناه أسلم وأبعد عن التلكف مما ذكر وإن جل قائله فتدبر و‏{‏مِنّي‏}‏ متعلق بما قبله، وفيه شبه الالتفات كما في «البحر» وأتي بالضمير الخاص هنا للرمز إلى أن اللائق بمن هدى التوحيد الصرف وعدم الالتفات إلى الكثرة، ونكر الهدى لأن المقصود هو المطلق ولم يسبق فيه عهد فيعرف، وفي المراد به هنا أقوال، فقيل الكتب المنزلة، وقيل‏:‏ الرسل، وقيل‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولعل المراد هديه الذي جاء به نوابه عليهم الصلاة والسلام، والفاء في ‏{‏فَمَنْ‏}‏ للربط و‏(‏ ما‏)‏ بعد جملة شرطية وقعت جواباً للشرط الأول على حدّ إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك وقال السجاوندي‏:‏ جوابه محذوف أي فاتبعوه، واختار أبو حيان كون ‏(‏من‏)‏ هذه موصولة لما في المقابل من الموصول، ودخلت الفاء في خبرها لتضمنها معنى الشرط، ووضع المظهر موضع المضمر في هداي إشارة للعلية لأن الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الاتباع، وبالنظر إلى أنه أضيف إليه تعالى إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع، وقيل‏:‏ لم يأت به ضميراً لأنه أعم من الأول لشموله لما يحصل بالاستدلال والعقل، ولم يقل الهدى لئلا تتبادر العينية أيضاً لأن النكرة في الغالب إذا أعيدت معرفة كانت عين الأول مع ما في الإضافة إلى نفسه تعالى من التعظيم ما لا يكون لو أتى به معرفاً باللام، والخوف الفزع في المستقبل، والحزن ضد السرور مأخوذ من الحزن وهو ما غلظ من الأرض فكأنه ما غلط من الهمّ، ولا يكون إلا في الأمر الماضي على المشهور، ويؤل حينئذ نحو ‏{‏إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 3 1‏]‏ بعلم ذلك الواقع، وقيل‏:‏ إنه والخوف كلاهما في المستقبل لكن الخوف استشعارهم لفقد مطلوب، والحزن استشعار غم لفوت محبوب، وجعل هنا نفي الخوف كناية عن نفي العقاب، ونفي الحزن كناية عن نفي الثواب وهي أبلغ من الصريح وآكد لأنها كدعوى الشيء ببينة، والمعنى لا خوف عليهم فضلاً عن أن يحل بهم مكروه، ولا هم يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه، فالمنفي عن الأولياء خوف حلول المكروه والحزن في الآخرة، وفيه إشارة إلى أنه يدخلهم الجنة التي هي دار السرور والأمن لا خوف فيها ولا حزن، وحينئذ يظهر التقابل بين الصنفين في الآيتين‏.‏

وقال بعض الكبراء‏:‏ خوف المكروه منفي عنهم مطلقا‏.‏ وأما خوف الجلال ففي غاية الكمال والمخلصون على خطر عظيم، وقيل‏:‏ المعنى لا خوف عليهم من الضلال في الدنيا، ولا حزن من الشقاوة في العقبى، وقدم انتفاء الخوف لأن انتفاء الخوف فيما هو آت أكثر من انتفاء الحزن على ما فات‏.‏ ولهذا صدر بالنكرة التي هي أدخل في النفي، وقدم الضمير إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن وأن غيرهم يحزن‏.‏ والمراد بيان دوام الانتفاء لا بيان انتفاء الدوام كما يتوهم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما تقرر في محله أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام، وذكر بعض الناس أن العدول عن لا خوف لهم أو عندهم إلى لا خوف عليهم للإشارة إلى أنهم قد بلغت حالهم إلى حيث لا ينبغي أن يخاف أحد عليهم‏.‏ وفي «البحر» أنه سبحانه كنى بعليهم عن الاستيلاء والإحاطة إشارة إلى أن الخوف لا ينتفي بالكلية ألا ترى انصراف النفي على كونية الخوف عليهم، ولا يلزم من نفي كونية استيلاء الخوف انتفاؤه في كل حال، فلا دليل في الآية على نفي أهوال القيامة وخوفها عن المطيعين، وأنت تعلم أن فيما أشرنا إليه كناية غنية عن مثله وكذا عما قيل إن نفس الاستيلاء للتعريض بالكفار، والإشارة إلى أن الخوف مستول عليهم‏.‏ هذا وقرأ الأعرج ‏{‏هُدَايَ‏}‏ بسكون الياء، وفيه الجمع بين ساكنين وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف‏.‏ وقرأ الجحدري وغيره ‏{‏هُدًى‏}‏ بقلب الألف ياء وإدغامها في الياء على لغة هذيل‏.‏ وقرأ الزهري وغيره ‏{‏فَلاَ خَوْفٌ‏}‏ بالفتح، وابن محيصن باختلاف عنه بالرفع من غير تنوين، وكأنه حذف لنية الإضافة، أو لكثرة الاستعمال، أو لملاحظة اللام في الاسم على ما في «البحر» ليحصل التعادل في كون لا دخلت على المعرفة في كِلاَ الجملتين هو على قراءة الجمهور مبتدأ، و‏{‏عَلَيْهِمْ‏}‏ خبره أو أن ‏{‏لا‏}‏ عاملة عمل ليس كما قال ابن عطية والأول أولى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

عطف على ‏{‏فَمَن تَبِعَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 8 3‏]‏ قسيم له كأنه قال‏:‏ ومن لم يتبعه، وإنما أوثر عليه ما ذكر تعظيماً لحال الضلالة وإظهاراً لكمال قبحها أو لأن من لم يتبع شامل لمن لم تبلغه الدعوة ولم يكن من المكلفين فعدل عن ذلك لإخراجهم، ولأنه شامل للفاسق بناء على أن المراد بالمتابعة المتابعة الكاملة ليترتب عليه عدم الخوف والحزن فلو قال سبحانه ذلك لزم منه خلوده في النار ولما قال ما قال لم يلزم ذلك بل خرج الفاسق من الصنفين، ويعلم بالفحوى أن عليه خوفاً وحزناً على قدر عدم المتابعة ولو جعل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 8 3‏]‏ حينئذ لنفي استمرار الخوف والحزن، وأريد بمتابعة الهدى الإيمان به تعالى كان داخلاً في ‏{‏فَمَن تَبِعَ هُدَايَ‏}‏ إلا أن أولياء كتاب الله تعالى لا يرضون ذلك ولا يقبلون وأو لئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وإيراد الموصول بصيغة الجمع للإشارة إلى كثرة الكفرة، والمتبادر من الكفر الكفر بالله تعالى، ويحتمل أن يكون كفروا وكذبوا متوجهين إلى الجار والمجرور فيراد بالكفر بالآيات إنكارها بالقلب، وبالتكذيب إنكارها باللسان‏.‏ والآية في الأصل‏:‏ العلامة الظاهرة بالقياس إلى ذي العلامة، ومنه آية القرآن لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها والذي قبلها، أو لأنها علامة على معناها وأحكامها، وقيل‏:‏ سميت آية لأن الآية تطلق على الجماعة أيضاً، كما قال أبو عمرو يقال‏:‏ خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم، وهي جماعة من القرآن وطائفة من الحروف، وذكر بعضهم أنها سميت بذلك لأنها عجب يتعجب من إعجازه، كما يقال‏:‏ فلان آية من الآيات، وفي أصلها ووزنها أقوال‏:‏ فمذهب سيبويه والخليل أن أصلها أيية بفتحات قبلت الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها على خلاف القياس كغاية وراية إذ المطرد عند اجتماع حرفي علة إعلال الآخر لأنه محل التغيير، ومذهب الكسائي أن أصلها آيية كفاعلة وكان القياس أن تدغم كدابة، إلا أنه ترك ذلك تخفيفاً فخذفوا عينها، ومذهب الفراء أن وزنها فعلة بسكون العين من تأيّ القوم إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع‏:‏ آياء كأفعال، فظهرت الياء، والهمزة الأخيرة بدل ياء والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة، ولو كان عينها واواً لقالوا في الجمع‏:‏ آواء، ثم إنهم قلبوا الياء الساكنة ألفاً على غير القياس لعدم تحركها وانفتاح ما قبلها‏.‏ ومذهب الكوفيين أن وزنها أيية كنبقة فأعلت وهو في الشذوذ كالأول، وقيل‏:‏ وزنها فعلة بضم العين، وقيل‏:‏ أصلها أياة فقدمت اللام وأخرت العين وهو ضعيف وكل الأقوال فيها لا تخلو عن شذوذ، ولا بدع فهي آية، والمراد بالآيات هنا الكتب المنزلة أو الأنبياء، أو القرآن، أو الدوال عليه سبحانه من كتبه ومصنوعاته، وينزل المعقول منزلة الملفوظ ليتأتى التكذيب، وأتى سبحانه بنون العظمة لتربية المهابة وإدخال الروعة، وأضاف تعالى الآيات إليها لإظهار كمال قبح التكذيب بها، وأشار بـ ‏{‏أولئك‏}‏ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة للإشعار بتميز ‏{‏أولئك‏}‏ بذلك الوصف تميزاً مصححاً للإشارة الحسية مع الإيذان ببعد منزلتهم فيه وهو مبتدأ خبره أصحابه وهو جمع صاحب، وجمع فاعل على أفعال شاذ كما في «البحر»، ومعنى الصحبة الاقتران بالشيء، والغالب في العرب أن تطلق على الملازمة، وهذه الجملة خبر عن الذين، ويحتمل أن يكون اسم الإشارة بدلاً منه أو عطف بيان، والأصحاب خبره، والجملة الاسمية بعد في حيز النصب على الحالية لورود التصريح في قوله تعالى‏:‏

‏{‏أُوْلَئِكَ أصحاب النار خالدين فِيهَا‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 0 1‏]‏ وجوّز كونها حالاً من النار لاشتمالها على ضميرها، والعامل معنى الإضافة أو اللام المقدرة، أو في حيز الرفع على أنها خبر آخر لأولئك على رأي من يرى ذلك، قال أبو حيان‏:‏ ويحتمل أن تكون مفسرة لما أبهم في ‏{‏أصحاب النار‏}‏ مبينة أن هذه الصحبة لا يراد منها مطلق الاقتران بل الخلود، فلا يكون لهذا إذ ذاك محل من الإعراب، والخلود هنا الدوام على ما انعقد عليه الإجماع، ومن البديع ما ذكره بعضهم أن في الآيتين نوعاً منه، يقال له الاحتباك، ويا حبذاه لولاه الكناية المغنية عما هناك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ‏}‏ خطاب لطائفة خاصة من الكفرة المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم بعد الخطاب العام، وإقامة دلائل التوحيد والنبوة والمعاد والتذكير بصنوف الانعام، وجعله سبحانه بعد قصة آدم، لأن هؤلاء بعد ما أوتوا من البيان الواضح والدليل اللائح، وأمروا ونهوا وحرضوا على اتباع النبي الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم ظهر منهم ضد ذلك، فخرجوا عن جنة الإيمان الرفيعة، وهبطوا إلى أرض الطبيعة، وتعرضت لهم الكلمات إلا أنهم لم يتلقوها بالقبول ففات منهم ما فات، وأقبل عليهم بالنداء ليحركهم لسماع ما يرد من الأوامر والنواهي‏.‏ و‏(‏ بني‏)‏ جمع ابن شبيه بجمع التكسير لتغير مفرده، ولذا ألحق في فعله تاء التأنيث كقالت بنو عامر وهو مختص بالأولاد الذكور، وإذا أضيف عم في العرف الذكور والإناث فيكون بمعنى الأولاد وهو المراد هنا وذكر الساليكوتي أنه حقيقة في الأبناء الصلبية كما بين في الأصول واستعماله في العام مجاز، وهو محذوف اللام، وفي كونها ياء أو واواً خلاف، فذهب إلى الأول ابن درستويه وجعله من البناء، لأن الابن فرع الأب ومبني عليه، ولهذا ينسب المصنوع إلى صانعه، فيقال للقصيدة مثلاً‏:‏ بنت الفكر، وقد أطلق في شريعة من قبلنا على بعض المخلوقين أبناء الله تعالى بهذا المعنى، لكن لما تصور من هذا الجهلة الأغبياء معنى الولادة حظر ذلك حتى صار التفوه به كفراً، وذهب إلى الثاني الأخفش، وأيده بأنهم قالوا‏:‏ البنوّة، وبأن حذف الواو أكثر، وقد حذفت في أب وأخ وبه قال الجوهري ولعل الأول أصح، ولا دلالة في البنوّة لأنهم قالوا أيضاً‏:‏ الفتوّة، ولا خلاف في أنها من ذوات الياء وأمر الأكثرية سهل، وعلى التقديرين في وزن ابن هل هو فعل أو فعل‏؟‏ خلاف؛ و‏(‏ إسرائيل‏)‏ اسم أعجمي، وقد ذكروا أنه مركب من إيل اسم من أسمائه تعالى، و‏(‏ إسرا‏)‏ وهو العبد، أو الصفوة أو الإنسان أو المهاجر وهو لقب سيدنا يعقوب عليه السلام وللعرب فيه تصرفات، فقد قالوا‏:‏ إسرائيل بهمزة بعد الألف وياء بعدها وبه قرأ الجمهور وإسراييل بياءين بعد الألف وبه قرأ أبو جعفر وغيره وإسرائل بهمزة ولام، وهو مروي عن ورش وإسرأل بهمزة مفتوحة ومكسورة بعد الراء، ولام وإسرأل بألف ممالة بعدها لام خفيفة وبها ولا إمالة وهي رواية عن نافع وقراءة الحسن وغيره و‏(‏ إسرائين‏)‏  بنون بدل اللام، كما في قوله‏:‏

 إسرائينا

تقول أهل السوء لما جينا *** هذا ورب البيت ‏(‏إسرائينا‏)‏

وأضاف سبحانه هؤلاء المخاطبين إلى هذا اللقب تأكيداً لتحريكهم إلى طاعته فإن في إسرائيل ما ليس في اسم الكريم يعقوب وقولك‏:‏ يا ابن الصالح أطع الله تعالى، أحث للمأمور من قولك‏:‏ يا ابن زيد مثلاً أطع، لأن الطبائع تميل إلى اقتفاء أثر الآباء وإن لم يكن محموداً فكيف إذا كان‏؟‏ ويستعمل مثل هذا في مقام الترغيب والترهيب بناء على أن الحسنة في نفسها حسنة وهي من بيت النبوّة أحسن والسيئة في نفسها سيئة وهي من بيت النبوّة أسوأ، و‏{‏اذكروا‏}‏ أمر الذكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد، ويكونان باللسان والجنان، وقال الكسائي‏:‏ هو بالكسر للسان وبالضم للقلب وضد الأول الصمت، وضد الثاني النسيان‏.‏

وعلى العموم‏:‏ فإما أن يكون مشتركاً بينهما، أو موضوعاً لعنى عام شامل لهما والظاهر هو الأول، والمقصود من الأمر بذلك الشكر على النعمة والقيامة بحقوقها لا مجرد الأخطار بالجنان، أو التفوه باللسان، وإضافة النعمة إلى ضميره تعالى لتشريفها، وإيجاب تخصيص شكرها به سبحانه، وقد قال بعض المحققين‏:‏ إنها تفيد الاستغراق إذ لا عهد ولمناسبته بمقام الدعوة إلى الإيمان، فهي شاملة للنعم العامة والخاصة بالمخاطبين، وفائدة التقييد بكونها عليهم أنا من هذه الحيثية أدعى للشكر فإن الإنسان حسود غيور، وقال قتادة‏:‏ أريد بها ما أنعم به على آبائهم مما قصه سبحانه في كتابه وعليهم من فنون النعمة التي أجلها إدراك زمن أشرف الأنبياء وجعلهم من جملة أمة الدعوة له، ويحتاج تصحيح الخطاب حينئذ إلى اعتبار التغليب، أو جعل نعم الآباء نعمهم، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز كما وهمَ ويجوز في الياء من ‏{‏نِعْمَتِيَ‏}‏ الإسكان والفتح، والقراء السبعة متفقون على الفتح، و‏{‏أَنْعَمْتَ‏}‏ صلة ‏{‏التى‏}‏ والعائذ محذوف، والتقدير أنعمتها وقرىء ادكروا بالدال المهملة المشددة على وزن افتعلوا‏.‏

‏{‏وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ‏}‏ يقال‏:‏ أوفى ووفى مخففاً ومشدداً بمعنى، وقال ابن قتيبة‏:‏ يقال‏:‏ أوفيت بالعهد ووفيت به، وأوفيت الكيل لا غير، وجاء أوفى بمعنى ارتفع كقوله‏:‏

ربما ‏(‏أوفيت‏)‏ في علم *** ترفعن ثوبي شمالات

والعهد يضاف إلى كل ممن يتولى أحد طرفيه، والظاهر هنا أن الأول‏:‏ مضاف إلى الفاعل، والثاني‏:‏ إلى المفعول، فإنه تعالى أمرهم بالإيمان والعمل وعهد إليهم بما نصب من الحجج العقلية والنقلية الآمرة بذلك، ووعدهم بحسن الثواب على حسناتهم والمعنى‏:‏ أوفوا بعهدي بالإيمان والطاعة أوف بعهدكم بحسن الإثابة، ولتوسط الأمر صح طلب الوفاء منهم‏.‏

واندفع ما قال العلامة التفتازاني على ما فيه أنه لا معنى لوفاء غير الفاعل بالعهد، وقيل‏:‏ وهو المفهوم من كلام قتادة ومجاهد أن كليهما مضاف إلى المفعول والمعنى أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة، وتفصيل العهدين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل‏}‏ إلى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَدْخِلَنَّكُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 2 1‏]‏ الخ، ويحوج هذا إلى اعتبار أن عهد الآباء عهد الأبناء لتناسبهم في الدين، وإلا فالمخاطبون بـ ‏{‏أَوْفُواْ‏}‏ ما عوهدوا بالعهد المذكور في الآية، وقيل‏:‏ إن فسر الإيفاء باتمام العهد تكون الإضافة إلى المفعول في الموضعين، وإن فسر بمراعاته تكون الإضافة الأولى للفاعل والثانية للمفعول وفيه تأمل، ولا يخفى أن للوفاء عرضاً عريضاً، فأول المراتب الظاهرة منا الاتيان بكلمتي الشهادة، ومنه تعالى حقن الدماء والمال وآخرها منا الفناء حتى عن الفناء، ومنه تعالى التحلية بأنوار الصفات والأسماء فما روي من الآثار على اختلاف أسانيدها صحة وضعفاً في بيان الوفاء بالعهدين فبالنظر إلى المراتب المتوسطة، وهي لعمري كثيرة ولك أن تقول‏:‏ أول‏:‏ المراتب منا توحيد الأفعال، وأوسطها‏:‏ توحيد الصفات‏.‏ وآخرها‏:‏ توحيد الذات، ومنه تعالى ما يفيضه على السالك في كل مرتبة مما تقتضيه تلك المرتبة من المعارف والأخلاق، وقرأ الزهري ‏{‏أُوفِ‏}‏ بالتشديد، فإن كان موافقاً للمجرد فذاك؛ وإن أريد به التكثير والقلب إليه يميل فهو إشارة إلى عظيم كرمه وإحسانه، ومزيد امتنانه، حيث أخبر وهو الصادق، أنه يعطي الكثير في مقابلة القليل، وهو صرح بذلك في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 160‏]‏ وانجزام الفعل لوقوعه في جواب الأمر والجزم إما به نفسه أو بشرط مقدر، وهو اختيار الفارسي ونص سيبويه‏.‏

‏{‏وإياى فارهبون‏}‏ الرهبة الخوف مطلقاً، وقيل‏:‏ مع تحرز، وبه فارق الاتقاء، لأنه مع حزم ولهذا كان الأول‏:‏ للعامة، والثاني‏:‏ للأئمة، والأشبه بمواقع الاستعمال أن الاتقاء التحفظ عن المخوف، وأن يجعل نفسه في وقاية منه، والرهبة نفس الخوف، وفي الأمر بها وعيد بالغ، وليس ذلك للتهديد والتهويل كما في ‏{‏اعملوا مَا شِئْتُمْ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 0 4‏]‏ كما وهمَ لأن هذا مطلوب وذاك غير مطلوب كما لا يخفى و‏(‏ إياي‏)‏ ضمير منفصل منصوب المحل بمحذوف يفسره المذكور، والفاء عند بعضهم جزائية زحلقت من الجزاء المحذوف إلى مفسره ليكون دليلاً على تقدير الشرط، ويحتمل أن تكون مفسرة للفاء الجزائية المحذوفة مع الجزاء، ومن أطلق الجزائية عليها فقد توسع، ولا يجوز أن تكون عاطفة لئلا يجتمع عاطفان، واختار صاحب «المفتاح» أنها للعطف على الفعل المحذوف، فإن أريد التعقيب الزماني أفادت طلب استمرار الرهبة في جميع الأزمنة بلا تخلل فاصل وإن أريد الرتبي كان مفادها طلب الترقي من رهبة إلى رهبة أعلى ولا يقدح في ذلك اجتماعها مع واو العطف مثلاً لأنها لعطف المحذوف على ما قبله وهذه الفاء لعطف المذكور على المحذوف وكون ‏(‏فارهبون‏)‏ مفسراً للمحذوف لا يقتضي اتحاده به من جميع الوجوه وأن لا يفيد معنى سوى التفسير حتى لا يصح جعلها عاطفة، واستحسن هذا بعض المتأخرين لاشتماله على معنى بديع خلت عنه الجزائية، وقال بعضهم كالمتوسط في المسألة‏:‏ إنها عاطفة بحسب الأصل، وبعد الحذف زحلقت وجعلت جزائية وعلى كل تقدير فالآية الكريمة آكد في إفادة التخصيص من

‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 5‏]‏ وعدّ من وجوه التأكيد تقديم الضمير المنفصل وتأخير المتصل والفاء الموجبة معطوفاً عليه ومعطوفاً أحدهما مظهر والآخر مضمر تقديره إياي ارهبوا ‏{‏فارهبون‏}‏ وما في ذلك من تكرير الرهبة وما فيه من معنى الشرط بدلالة الفاء والمعنى إن كنتم متصفين بالرهبة فخصوني بالرهبة، وحذف متعلق الرهبة للعموم أي ارهبوني في جميع ما تأتون وتذرون، وقيل‏:‏ ارهبون في نقض العهد؛ ولعل التخصيص به مستفاد من ذكر الأمر بالرهبة معه ثم الخوف خوفان‏:‏ خوف العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وخوف إجلال وهو نصيب أهل القلوب‏.‏ وما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى ارهبون أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره ظاهر في قسم أهل الظاهر وهو المناسب بحال هؤلاء المخاطبين الذين ‏{‏يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الاخرة هُمْ غافلون‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 7‏]‏ وحذفت ياء الضمير من ارهبون لأنها فاصلة، وقرأ ابن أبي إسحق بالياء على الأصل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ‏}‏ عطف على ما قبله، وظاهره أنه أمر لبني إسرائيل، وقيل‏:‏ نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه علماء اليهود ورؤسائهم فهو أمر لهم، وأفرد سبحانه الإيمان بعد اندراجه في ‏{‏أَوْفُواْ بِعَهْدِى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 0 4‏]‏ بمجموع الأمر به والحث عليه المستفاد من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ‏}‏ للإشارة إلى أنه المقصود، والعمدة للوفاء بالعهود، و‏(‏ ما‏)‏ موصولة، و‏{‏أُنزِلَتِ‏}‏ صلته والعائد محذوف أي أنزلته ومصدقاً حال إما من الموصول أو من ضميره المحذوف‏.‏ واللام في ‏{‏لَّمّاً‏}‏ مقوية، والمراد ‏(‏بما أنزلت‏)‏ القرآن وفي التعبير عنه بذلك تعظيم لشأنه والمراد بما معكم التوراة والتعبير عنها بذلك للإيذان بعلمهم بتصديقه لها فإن المعية مئنة لتكرار المراجعة إليها والوقوف على تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقاً لها، ومعنى تصديقه لها أنه نازل حسبما نعت فيها، أو مطابق لها في أصل الدين والملة أو لما لم ينسخ كالقصص والمواعظ وبعض المحرمات كالكذب والزنا والربا أو لجميع ما فيها والمخالفة في بعض جزئيات الأحكام التي هي للأمراض القلبية كالأدوية الطبية للأمراض البدنية المختلفة بحسب الأزمان والأشخاص ليست بمخالفة في الحقيقة بل هي موافقة لها من حيث إن كُلاّ منها حق في عصره متضمن للحكمة التي يدور عليها فلك التشريع، وليس في التوراة ما يدل على أبدية أحكامها المنسوخة حتى يخالفها ما ينسخها بل إن نطقها بصحة القرآن الناسخ لها نطق بنسخها وانتهاء وقتها الذي شرعت للمصلحة فيه وليس هذا من البداء في شيء كما يتوهمون، فإذن المخالفة في تلك الأحكام المنسوخة إنما هو اختلاف العصر حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتقدم، ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم، وإلى ذلك يشير ما أخرجه الإمام أحمد وغيره عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال حين قرأ بين يديه عمر رضي الله تعالى عنه شيئاً من التوراة‏:‏ «لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي» وفي رواية الدرامي «والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني» وتقييد المنزل بكونه مصدقاً لما معهم لتأكيد وجوب الامتثال فإن إيمانهم بما معهم يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعاً، ومن الناس من فسر المنزل بالكتاب والرسول صلى الله عليه وسلم وما معهم بالتوراة والإنجيل، وليس فيه كثير بعد إلا أن البعيد من وجه جعل مصدقاً حالاً من الضمير المرفوع والأبعد جعل ‏(‏ما‏)‏ مصدرية، ومصدقاً حال من ما الثانية، وأبعد منه جعله حالاً من المصدر المقدر‏.‏

‏{‏وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ‏}‏ أي لا تسارعوا إلى الكفر به فإن وظيفتكم أن تكون أول من آمن به لما أنكم تعرفون حقيقة الأمر وحقيته وقد كنتم من قبل تقولون إنا نكون أول من يتبعه فلا تضعوا موضع ما يتوقع فيكم، ويجب منكم ما يبعد صدوره عنكم ويحرم عليكم من كونكم أول كافر به‏.‏ و‏(‏ أول‏)‏ في المشهور أفعل لقولهم‏:‏ هذا أول منك ولا فعل له لأن فاءه وعينه واو‏.‏ وقد دل الاستقراء على انتفاء الفعل لما هو كذلك وإن وجد فنادر‏.‏ وما في «الشافية» من أنه من وول بيان للفعل المقدر‏.‏ وقيل‏:‏ أصله أوأل من وأل وأولا إذا لجأ ثم خفف بإبدال الهمزة واواً ثم الإدغام وهو تخفيف غير قياسي، والمناسبة الاشتقاقية أن الأول الحقيقي أعني ذاته تعالى ملجأ للكل، وإن قلنا وأل بمعنى تبادر فالمناسبة أن التبادر سبب الأولية، وقيل‏:‏ أوأل من آل بمعنى رجع، والمناسبة الاشتقاقية على قياس ما ذكر سابقاً، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع، وقال الدريدي‏:‏ هو فوعل فقلبت الواو الأولى همزة، وأدغمت واو فوعل في عين الفعل، ويبطله ظاهراً منع الصرف وهو خبر عن ضمير الجمع، ولا بد هنا عند الجمهور من تأويل المفضل عليه بجعله مفرداً للفظ جمع المعنى أي‏:‏ أول فريق مثلاً أو تأويل المفضل أي لا يكن كل واحد منكم، والمراد عموم السلب كما في ‏{‏لاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 0 1‏]‏ وبعض الناس لا يوجب في مثل هذا المطابقة بين النكرة التي أضيف إليها أفعل التفضيل وما جرى هو عليه بل يجوز الوجهان عنده كما في قوله‏:‏

وإذا هم طعموا فالأم طاعم *** وإذا هم جاعوا فشر جياع

ومن أوجب أول البيت كالآية ونهيهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العرب أقدم منهم لما أن المراد التعريض فأول الكافرين غيرهم أو ولا تكونوا أول كافر من أهل الكتاب، والخطاب للموجودين في زمانه صلى الله عليه وسلم بل للعلماء منهم، وقد يقال الضمير راجع إلى ما معكم والمراد من لا تكونوا أول كافر بما معكم لا تكونوا أول كافر ممن كفر بما معه ومشركو مكة وإن سبقوهم في الكفر بما يصدق القرآن حيث سبقوا بالكفر به وهو مستلزم لذلك لكن ليسوا ممن كفر بما معه، والفرق بين لزوم الكفر والتزامه غير بين إلا أنه يخدش هذا الوجه، إن هذا واقع في مقابلة ‏{‏بِمَا أَنزَلَ أُنزِلَتِ‏}‏ فيقتضي اتحاد متعلق الكفر والإيمان، وقيل يقدر في الكلام مثل، وقيل‏:‏ ويقدر ولا تكونوا أول كافر وآخره‏.‏

وقيل‏:‏ ‏{‏أَوَّلُ‏}‏ زائدة، والكل بعيد، وبحمل التعريض على سبيل الكناية يظهر وجه التقييد بالأولية، وقيل‏:‏ إنها مشاكلة لقولهم‏:‏ إنا نكون أول من يتبعه، وقد يقال‏:‏ إنها بمعنى السبق، وعدم التخلف فافهم‏.‏

‏{‏وَلاَ تَشْتَرُواْ الله ثَمَناً قَلِيلاً‏}‏ الاشتراء مجاز عن الاستبدال لاختصاصه بالأعيان إما باستعمال المقيد في المطلق كالمرسن في الأنف أو تشبيه الاستبدال المذكور في كونه مرغوباً فيه بالاشتراء الحقيقي، والكلام على الحذف أي لا تستبدلوا بالإيمان بآياتي، والاتباع لها حظوظ الدنيا الفانية القليلة المسترذلة بالنسبة إلى حظوظ الآخرة وما أعد الله تعالى للمؤمنين من النعيم العظيم الأبدي، والتعبير عن ذلك بالثمن مع كونه مشتري لا مشتري به للدلالة على كونه كالثمن في الاسترذال والامتهان، ففيه تقريع وتجهيل قوى حيث إنهم قلبوا القضية وجعلوا المقصود آلة والآلة مقصودة وإغراب لطيف حيث جعل المشتري ثمناً بإطلاق الثمن عليه، ثم جعل الثمن مشترى بإيقاعه بدلاً لما جعله ثمناً بإدخال الباء عليه فإن قيل‏:‏ الاشتراء بمعنى الاستبدال بالإيمان بالآيات إنما يصح إذا كانوا مؤمنين بها ثم تركوا ذلك للحظوظ الدنيوية وهم بمعزل عن الإيمان، أجيب بأن مبنى ذلك على أن الإيمان بالتوراة الذي يزعمونه إيمان بالآيات كما أن الكفر بالآيات كفر بالتوراة فيتحقق الاستبدال، ومن الناس من جعل الآيات كناية عن الأوامر والنواهي التي وقفوا عليها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم من التوراة والكتب الإلهية أو ما علموه من نعته الجليل وخلقه العظيم عليه الصلاة والسلام، وقد كانوا يأخذون كل عام شيئاً معلوماً من زروع أتباعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن بينوا ذلك لهم وتابعوه صلى الله عليه وسلم أن يفوتهم ذلك فضلوا وأضلوا، وقيل‏:‏ كان سلوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا ويحرفوا، وقيل‏:‏ غير ذلك، وقد استدل بعض أهل العلم بالآية على منع جواز أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى والعلم، وروي في ذلك أيضاً أحاديث لا تصح، وقد صح أنهم قالوا‏:‏ «يا رسول الله أنأخذ على التعليم أجراً‏؟‏ فقال‏:‏ إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله تعالى» وقد تظافرت أقوال العلماء على جواز ذلك وإن نقل عن بعضهم الكراهة، ولا دليل في الآية على ما ادعاه هذا الذاهب كما لا يخفى والمسألة مبينة في الفروع‏.‏

‏{‏وإياى فاتقون‏}‏ بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن الاشتراء بآيات الله تعالى الثمن القليل والعرض الزائل، وإنما ذكر في الآية الأولى ‏{‏فارهبون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 0 4‏]‏ وهنا ‏{‏فاتقون‏}‏ لأن الرهبة دون التقوى فحيثما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم وحثهم على ذكر النعمة التي يشتركون فيها أمرهم بالرهبة التي تورث التقوى ويقع فيها الاشتراك،  ولذا قيل الخشية ملاك الأمر كله، وحيثما أراد بالخطاب فيما بعد العلماء منهم، وحثهم على الإيمان ومراعاة الآيات أمرهم بالتقوى التي أولها ترك المحظورات وآخرها التبري مما سوى غاية الغايات، وليس وراء عبادان قرية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل‏}‏ هذا النهي مع ما بعده معطوف على مجموع الآية التي قبله وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَءامَنُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 1 4‏]‏ الخ، وهذا كما قالوا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الاول والاخر والظاهر والباطن‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 3‏]‏ إن مجموع الوصفين الأخيرين بعد اعتبار التعاطف معطوف على مجموع الأولين كذلك، ويجوز العطف على جملة واحدة من الجمل السابقة إلا أن المناسبة على الأول أشد واللاءمة أتم‏.‏ واللبس بفتح اللام الخلط، وفعله لبس من باب ضرب ويكون بمعنى الاشتباه إما بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز‏:‏ والباء إما للتعدية أو للاستعانة واللام في الحق والباطل للعهد أي لا تخلطوا الحق المنزل في التوراة بالباطل الذي اخترعتموه وكتبتموه أولا تجعلوا ذلك ملتبساً مشتبهاً غير واضح لا يدركه الناس بسبب الباطل وذكره، ولعل الأول أرجح لأنه أظهر وأكثر لا لأن جعل وجود الباطل سبباً للالتباس الحق ليس أولى من العكس لما أنه لما كان المذموم هو التباس الحق بالباطل وإن لزمه العكس وكان هذا طارئاً على ذلك استحق الأولوية التي نفيت‏.‏

‏{‏وَتَكْتُمُواْ الحق‏}‏ مجزوم بالعطف على ‏{‏تَلْبِسُواْ‏}‏ فالنهي عن كل واحد من الفعلين، وجوزوا أن يكون منصوباً على إضمار أن وهو عند البصريين عطف على مصدر متوهم‏.‏ وروى الجرمي إن النصب بنفس الواو وهي عندهم بمعنى مع وتسمى واو الجمع وواو الصرف لأنها مصروف بها الفعل عن العطف، والمراد لا يكن منكم لبس الحق على من سمعه وكتمان الحق وإخفاؤه عمن لم يسمعه، والقصد أن ينعى عليهم سوء فعلهم الذي هو الجمع بين أمرين كل منهما مستقل بالقبح، ووجوب الانتهاء وطريق واسع إلى الإضلال والإغواء، وحيث كان التلبيس بالنسبة إلى من سمع، والكتمان إلى من لم يسمع اندفع السؤال بأن النهي عن الجمع بين شيئين إنما يتحقق إذا أمكن افتراقهما في الجملة وليس لبس الحق بالباطل مع كتمان الحق كذلك ضرورة أن لبس الحق بالباطل كتمان له، وكرر الحق إما لأن المراد بالأخير ليس عين الأول بل هو نعت النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وإما لزيادة تقبيح المنهي عنه إذ في التصريح باسم الحق ما ليس في ضميره، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ‏(‏وتكتمون‏)‏ وخرجت على أن الجملة في موضع الحال أي وأنتم تكتمون، أو كاتمين وفي جواز اقتران الحال المصدرة بالمضارع بالواو قولان، وليس للمانع دليل يعتمد عليه، وهذه الحال عند بعض المحققين لازمة والتقييد لإفادة التعليل كما في لا تضرب زيداً وهو أخوك وعليه يكون المراد بكتمان الحق ما يلزم من لبس الحق بالباطل لا إخفائه عمن لا يسمع، وجوز أن تكون معطوفة على جملة النهي على مذهب من يرى جواز ذلك وهو سيبويه وجماعة ولا يشترط التناسب في عطف الجمل‏.‏

‏{‏وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ جملة حالية ومفعول ‏{‏تَعْلَمُونَ‏}‏ محذوف اقتصاراً أي وأنتم من ذوي العلم ولا يناسب من كان عالماً أن يتصف بالحال الذي أنتم عليه، ولا يبعد أن يكون الحذف للاختصار أي وأنتم تعلمون أنكم لابسون كاتمون أو تعلمون صفته صلى الله عليه وسلم أو البعث والجزاء، والمقصود من تقييد النهي بالعلم زيادة تقبيح حالهم لأن الإقدام على هاتيك الأشياء القبيحة مع العلم بما ذكر أفحش من الإقدام عليها مع الجهل وليس من يعلم كمن لا يعلم وجوز ابن عطية أن تكون هذه الجملة معطوفة وإن كانت ثبوتية على ما قبلها من جملة النهي، وإن لم تكن مناسبة في الإخبار، وهي عنده شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر النبي  صلى الله عليه وسلم وليست شاهدة بالعلم على الإطلاق إذ هم بمراحل عنه، واستدل بالآية على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه بالشروط المعروفة لدى العلماء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءاتُواْ الزكواة‏}‏ المراد بهما سواء كانت اللام للعهد أو للجنس صلاة المسلمين وزكاتهم لأن غيرهما مما نسخه القرآن ملتحق بالعدم، والزكاة في الأصل النماء والطهارة، ونقلت شرعاً لإخراج معروف، فإن نقلت من الأول فلأنها تزيد بركة المال وتفيد النفس فضيلة الكرم، أو لأنها تكون في المال النامي وإن نقلت من الثاني فلأنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل‏.‏ واستدل بالآية حيث كانت خطاباً لليهود من قال‏:‏ إن الكفار مخاطبون بالفروع واحتمال أن يكون الأمر فيها بقبول الصلاة المعروفة والزكاة والإيمان بهما، أو أن يكون أمراً للمسلمين كما قاله الشيخ أبو منصور خلاف الظاهر فلا ينافي الاستدلال بالظاهر، وقدم الأمر بالصلاة لشمول وجوبها ولما فيها من الإخلاص والتضرع للحضرة، وهي أفضل العبادات البدنية وقرنها بالزكاة لأنها أفضل العبادات المالية، ثم من قال‏:‏ لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قال‏:‏ إنما جاء هذا بعد أن بين صلى الله عليه وسلم أركان ذلك وشرائطه، ومن قال بجوازه قال بجواز أن يكون الأمر لقصد أن يوطن السامع نفسه كما يقول السيد لعبده إني أريد أن آمرك بشيء فلا بد أن تفعله

‏{‏واركعوا مَعَ الركعين‏}‏ أي صلوا مع المصلين وعبر بالركوع عن الصلاة احترازاً عن صلاة اليهود فإنها لا ركوع فيها وإنما قيد ذلك بكونه مع الراكعين لأن اليهود كانوا يصلون وحداناً فأمروا بالصلاة جماعة لما فيها من الفوائد ما فيها، واستدل به بعضهم على جوبها‏.‏ ومن لم يقل به حمل الأمر على الندب أو المعية على الموافقة وإن لم يكونوا معهم، وقيل‏:‏ الركوع الخضوع والانقياد لما يلزمهم من الشرع قال الأضبط السعدي‏:‏

لا تذلّ الفقيرَ علّك أن *** ‏(‏تركع‏)‏ يوماً والدهرُ قد رفعه

ولعل الأمر به حينئذ بعد الأمر بالزكاة لما أنها مظنة ترفع فأمروا بالخضوع لينتهوا عن ذلك إلا أن الأصل في إطلاق الشرع المعاني الشرعية‏:‏ وفي المراد بالراكعين قولان‏:‏ فقيل‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقيل‏:‏ الجنس وهو الظاهر‏.‏

ومن باب الإشارة‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق‏}‏ الخ أي لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بالسوي فإن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد‏:‏

ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ‏{‏وَتَكْتُمُواْ الحق‏}‏ بالتفاتكم إلى غيره سبحانه ‏{‏وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 2 4‏]‏ أنه ليس لغيره وجود حقيقي، أو لا تخلطوا صفاته تعالى الثابتة الحقة بالباطل الذي هو صفات نفوسكم، ولا تكتموها بحجاب صفات النفس وأنتم تعلمون من علم توحيد الأفعال أن مصدر الفعل هو الصفة فكما لم تسندوا الفعل إلى غيره لا تثبتوا صفته لغيره ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا‏}‏ بمراقبة القلوب ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا‏}‏ أي بالغوا في تزكية النفس عن الصفات الذميمة لتحصل لكم التحلية بعد التخلية، أو أدوا زكاة الهمم فإن لها زكاة كزكاة النعم بل إن لكل شيء زكاة كما قيل‏:‏

كل شيء له ‏(‏زكاة‏)‏ *** وزكاة الجمال رحمة مثلي

‏{‏واركعوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 43‏]‏ أي اخضعوا لما يفعل بكم المحبوب، فالخضوع علامة الرضا الذي هو ميراث تجلي الصفات العلى، وحاصله ارضوا بقضائي عند مطالعة صفاتي فإن لي أحباباً لسان حال كل منهم يقول‏:‏

وتعذيبكم عذب لدي وجوركم *** عليَّ بما يقضي الهوى لكم عدل

ثم إنه تعالى لما أمرهم بفعل الخير شكراً لما خصهم به من النعم حرضهم على ذلك من مأخذ آخر

‏[‏بم بقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ‏}‏ والهمزة فيه للتقرير مع توبيخ وتعجيب‏.‏ والبر سعة المعروف والخير ومنه البر، والبرية للسعة، ويتناول كل خير، والنسيان ما في البحر السهو الحادث بعد العلم‏.‏ والمراد به هنا الترك لأن أحداً لا ينسى نفسه بل يحرمها ويتركها كما يترك الشيء المنسي مبالغة في عدم المبالاة والغفلة فيما ينبغي أن يفعله، وقد نزلت هذه الآية على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في أحبار المدينة كانوا يأمرون سراً من نصحوه باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه وقيل‏:‏ إنهم كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون‏.‏ فالمراد بالبر هنا إما الإيمان أو الإحسان، وتركه بعضهم على ظاهره متناولاً كل خير على ما قال السدي‏:‏ إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله تعالى وينهونهم عن معصيته وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية، والتوبيخ ليس على أمر الناس بالبر نفسه بل لمقارنته بالنسيان المذكور‏.‏

‏{‏وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب‏}‏ أي التوراة، والجملة حال من فاعل ‏{‏أَتَأْمُرُونَ‏}‏، والمراد التبكيت وزيادة التقبيح ‏{‏أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏ أصل هذا الكلام ونحوه عند الجمهور كان بتقديم حرف العطف على الهمزة لكن لما كان للهمزة صدر الكلام قدمت على حرف العطف، وبعضهم ذهب إلى أنه لا تقديم ولا تأخير ويقدر بين الهمزة وحرف العطف ما يصح العطف عليه، والعقل في الأصل المنع والإمساك، ومنه عقال البعير سمي به النور الروحاني الذي به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية لأنه يحبس عن تعاطي ما يقبح ويعقل على ما يحسن، والفعل يحتمل أن يكون مطلقاً أجري مجرى اللازم، ويحتمل أن يكون متعدياً مقدراً لمفعول، والمعنى أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون سوء خاتمته ووخامة عاقبته أو أفلا تعقلون قبح صنيعكم شرعاً لمخالفة ما تتلونه في التوراة، وعقلاً لكونه جمعاً بين المتنافيين، فإن المقصود من الأمر بالبر الإحسان والامتثال، والزجر عن المعصية، ونسيانهم أنفسهم ينافي كل هذه الأغراض، ولا نزاع في كون قبح الجمع بين ذلك عقلاً بمعنى كونه باطلاً فعلى هذا لا حجة للمعتزلة في الآية على القبح العقلي الذي يزعمونه بل قد ادعى بعض المحققين أنها دليل على خلاف ما ذهبوا إليه لأنه سبحانه رتب التوبيخ على ما صدر منهم بعد تلاوة الكتاب وكذا لا حجة فيها لمن زعم أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأن التوبيخ على جمع الأمرين بالنظر للثاني فقط لا منع الفاسق عن الوعظ فإن النهي عن المنكر لازم ولو لمرتكبه فإن ترك النهي ذنب وارتكابه ذنب آخر، وإخلاله بأحدهما لا يلزم منه الإخلال بالآخر، ثم إن هذا التوبيخ والتقريع وإن كان خطاباً لبني إسرائيل إلا أنه عام من حيث المعنى لكل واعظ يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا ينزجر، ينادي الناس البدار البدار، ويرضى لنفسه التخلف والبوار، ويدعو الخلق إلى الحق، وينفر عنه، ويطالب العوام بالحقائق؛ ولا يشم ريحها منه‏.‏

وهذا هو الذي يبدأ بعذابه قبل عبدة الأوثان، ويعظم ما يلقى لوفور تقصيره يوم لا حاكم إلا الملك الديان‏.‏

وعن محمد بن واسع قال‏:‏ بلغني أن أناساً من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم‏:‏ قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة، قالوا‏:‏ كنا نأمركم بها، ونخالف إلى غيرها‏.‏ هذا ومن الناس من جعل هذا الخطاب للمؤمنين، وحمل الكتاب على القرآن، فيكون ذلك من تلوين الخطاب كما في ‏{‏يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا واستغفرى‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 9 2‏]‏ والظاهر يبعده‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏واستعينوا بالصبر والصلاة‏}‏ لما أمرهم سبحانه بتارك الضلال والإضلال والتزام الشرائع، وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من فوات محبوبهم وذهاب مطلوبهم عالج مرضهم بهذا الخطاب، والصبر حبس النفس على ما تكره، وقدمه على الصلاة لأنها لا تكمل إلا به أو لمناسبته لحال المخاطبين،  أو لأن تأثيره كما قيل في إزالة ما لا ينبغي، وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح واللام فيه للجنس، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه وهو الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة، والاستعانة بالصبر على المعنى الأول‏:‏ لما يلزمه من انتظار الفرج والنجح توكلاً على من لا يخيب المتوكلين عليه ولذا قيل‏:‏ الصبر مفتاح الفرج، وبه على المعنى الثاني‏:‏ لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس الموجبين للانقطاع إلى الله تعالى الموجب لإجابة الدعاء وأما الاستعانة بالصلاة فلما فيها من أنواع العبادة، ما يقرب إلى الله تعالى قرباً يقتضي الفوز بالمطلوب والعروج إلى المحبوب، وناهيك من عبادة تكرر في اليوم والليلة خمس مرات يناجي فيها العبد علام الغيوب، ويغسل بها العاصي درن العيوب، وقد روى حذيفة أنه صلى الله عليه وسلم إذا حزنه أمر صلى، وروى أحمد أنه إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة، وحمل الصلاة على الدعاء في الآية وكذا في الحديث لا يخلو عن بعد، وأبعد منه كون المراد بالصبر الصبر على الصلاة‏.‏

‏{‏وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين‏}‏ الضمير للصلاة كما يقتضيه الظاهر، وتخصيصها برد الضمير إليها لعظم شأنها واستجماعها ضروباً من الصبر، ومعنى كبرها ثقلها وصعوبتها على من يفعلها، على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 3 1‏]‏ والاستثناء مفرغ أي‏:‏ كبيرة على كل أحد إلا على الخاشعين وهم المتواضعون المستكينون، وأصل الخشوع الاخبات، ومنه الخشعة بفتحات الرمل المتطامن، وإنما لم تثقل عليهم، لأنهم عارفون بما يحصل لهم فيها متوقعون ما ادخر من ثوابها فتهون عليهم، ولذلك قيل‏:‏ من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف، جاد بالعطية، وجوّز رجوع الضمير إلى الاستعانة على حد ‏{‏اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 8‏]‏ ورجح بالشمول، وما يقال‏:‏ إن الاستعانة ليست بكبيرة لا طائل تحته، فإن الاستعانة بالصلاة أخص من فعل الصلاة لأنها أداؤها على وجه الاستعانة بها على الحوائج أو على سائر الطاعات لاستجرارها ذلك، وقيل‏:‏ يجوز أن يكون من أسلوب ‏{‏والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 26‏]‏ وقوله‏:‏

إن شرخ الشباب والشعر الأس *** ود ما لم يعاص كان جنونا

والتأنيث مثله في قوله تعالى على رأي‏:‏ ‏{‏والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 43‏]‏ أو المراد كل خصلة منها، وقيل‏:‏ الضمير راجع إلى المذكورات المأمور بها والمنهي عنها، ومشقتها عليهم ظاهرة، وهو أقرب مما قاله الأخفش من رجوعه إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم، والبعيد بل الأبعد عوده إلى الكعبة المفهومة من ذكر الصلاة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

الظن في الأصل الحسبان واللقاء وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه، والمراد من ملاقاة الرب سبحانه، إما ملاقاة ثوابه أو الرؤية عند من يجوّزها، وكل منهما مظنون متوقع لأنه وإن علم الخاشع أنه لا بد من ثواب للعمل الصالح، وتحقق أن المؤمن يرى ربه يوم المآب لكن من أين يعلم ما يختم به عمله ففي وصف أولئك بالظن إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر ربهم ‏{‏فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 99‏]‏ وفي تعقيب الخاشعين به حينئذ لطف لا يخفى، إلا أن عطف ‏{‏أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ راجعون‏}‏ على ما قبله يمنع حمل الظن على ما ذكر لأن الرجوع إليه تعالى المفسر بالنشور أو المصير إلى الجزاء مطلقاً، مما لا يكفي فيه الظن والتوقع بل يجب القطع به اللهم إلا أن يقدر له عامل أي ويعلمون أو يقال‏:‏ إن الظن متعلق بالمجموع من حيث هو مجموع، وهو كذلك غير مقطوع به وإن كان أحد جزئيه مقطوعاً أن يقال‏:‏ إن الرجوع إلى الرب هنا المصير إلى جزائه الخاص، أعني الثواب بدار السلام، والحلول بجواره جل شأنه والكل خلاف الظاهر ولهذا اختير تفسير الظن باليقين مجازاً، ومعنى التوقع والانتظار في ضمنه، ولقاء الله تعالى بمعنى الحشر إليه، والرجوع بمعنى المجازات ثواباً أو عقاباً فكأنه عز شأنه قال‏:‏ يعلمون أنهم يحشرون إليهم فيجازيهم متوقعين لذلك، وكأن النكتبة في استعمال الظن المبالغة في إيهام أن من ظن ذلك لا يشق عليه ما تقدم فكيف من تيقنه والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلية الربوبية والمالكية للحكم وجعل خبر ‏(‏أن‏)‏ في الموضعين اسماً للدلالة على تحقق اللقاء والرجوع وتقررهما عنده، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ‏(‏يعلمون‏)‏ وهي تؤيد هذا التفسير‏.‏

ومن باب الإشارة‏:‏ ‏{‏أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر‏}‏ الذي هو الفعل الجميل الموجب لصفاء القلب وزكاء النفس ولا تفعلون ما ترتقون به من مقام تجلي الأفعال إلى تجلي الصفات ‏{‏وَأَنتُمْ تَتْلُونَ كِتَابٌ‏}‏ فطرتكم الذي يأمركم بالدين السالك بكم سبيل التوحيد ‏{‏أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 44‏]‏ فتقيدون مطلقات صفاتكم الذميمة بعقال ما أفيض عليكم من الأنوار القديمة، واطلبوا المدد والعون ممن له القدرة الحقيقية بالصبر على ما يفعل بكم، لكي تصلوا إلى مقام الرضا والصلاة التي هي المراقبة وحضور القلب لتلقي تجليات الرب، وإن المراقبة لشاقة إلا على المنكسرة قلوبهم، اللينة أفئدتهم لقبول أنوار التجليات اللطيفة، واستيلاء سطواتها القهرية، فهم الذين يتيقنون أنهم بحضرة ربهم ‏{‏وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6 4‏]‏ بفناء صفاتهم ومحوها في صفاته؛ فلا يجدون في الدار إلا شؤون الملك اللطيف القهار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏يبَنِى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ‏}‏ كرر التذكير للتأكيد والإيذان بكمال غفلتهم عن القيام بحقوق النعمة، وليربط ما بعده من الوعد الشديد به لتتم الدعوة بالترغيب والترهيب، فكأنه قال سبحانه‏:‏ إن لم تطيعوني لأجل سوابق نعمتي، فأطيعوني للخوف من لواحق عقابي، ولتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم، فإنه لذلك يستحق أن يتعلق به التذكير بخصوصه مع التنبيه على أجليته بتكرير النعمة التي هي فرد من أفرادها‏.‏

‏{‏وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين‏}‏ عطف على ‏{‏نِعْمَتِيَ‏}‏ من عطف الخاص على العام، وهو مما انفردت به الواو كما في «البحر»، ويسمى هذا النحو من العطف بالتجريد كأنه جرد المعطوف من الجملة، وأفرد بالذكر اعتناءاً به، والكلام على حذف مضاف أي فضلت آباءكم وهم الذين كانوا قبل التغيير، أو باعتبار أن نعمة الآباء نعمة عليهم، قال الزجاج‏:‏ والدليل على ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ نجيناكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 9 4‏]‏ الخ، والمخاطبون لم يروا فرعون ولا آله، ولكنه تعالى أذكرهم أنه لم يزل منعماً عليهم، والمراد بالعالمين سائر الموجودين في وقت التفضيل، وتفضيلهم بما منحهم من النعم المشار إليها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم قَوْمٌ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 20‏]‏ فلا يلزم من الآية تفضيلهم على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على أمته، الذين هم خير أمة أخرجت للناس وكذا لا يصح الاستدلال بها على أفضلية البشر على الملائكة من جميع الوجوه ولو صح ذلك يلزم تفضيل عوامهم على خواص الملائكة، ولا قائل به‏.‏

ومن اللطائف أن الله سبحانه وتعالى أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال‏:‏ ‏{‏وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ‏}‏ الخ، وأشهد المسلمين فضل نفسه فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 8 5‏]‏ فشتان من مشهوده فضل ربه، ومن مشهوده فضل نفسه فالأول‏:‏ يقتضي الفناء والثاني‏:‏ يقتضي الإعجاب، والحمد لله الذي فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا‏}‏ اليوم الوقت، وانتصابه إما على الظرف والمتقى محذوف أي واتقوا العذاب يوماً وإما مفعول به واتقاؤه بمعنى اتقاء ما فيه إما مجازاً يجعل الظرف عبارة عن المظروف أو كناية عنه للزومه له، وإلا فالاتقاء من نفس اليوم مما لا يمكن، لأنه آت لا محالة، ولا بد أن يراه أهل الجنة والنار جميعاً، والممكن المقدور اتقاء ما فيه بالعمل الصالح، و‏{‏تَجْزِى‏}‏ من جزى بمعنى قضى، وهو متعد بنفسه لمفعوله الأول، وبعن للثاني وقد ينزل منزلة اللازم للمبالغة والمعنى لا تقضي يوم القيامة نفس عن نفس شيئاً مما وجب عليها، ولا تنوب عنها، ولا تحتمل مما أصابها، أو لا تقضي عنها شيئاً من الجزاء، فنصب ‏{‏شَيْئاً‏}‏ إما على أنه مفعول به أو على أنه مفعول مطلق قائم مقام المصدر، أي جزاء مّا‏.‏ وقرأ أبو السماك‏:‏ ‏{‏وَلاَ‏}‏ من أجزأ عنه إذا أغنى، فهو لازم، و‏{‏تَكُ شَيْئاً‏}‏ مفعول مطلق لا غير، والمعنى لا تغني نفس عن نفس شيئاً من الإغناء ولا تجديها نفعاً وتنكير الأسماء للتعميم في الشفيع والمشفوع، وما فيه الشفاعة، وفيه من التهويل والإيذان بانقطاع المطامع ما لا يخفى، كما يشير إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 4 3 37‏]‏ والجملة في المشهور صفة يوم والرابط محذوف، أي‏:‏ لا تجزي فيه ولم يجوز الكسائي حذف المجرور إذا لم يتعين، فلا تقول‏:‏ رأيت رجلاً أرغب، وأنت تريد أرغب فيه، ومذهبه في هذا التدريج، وهو أن يحذف حرف الجر أولاً حتى يتصل الضمير بالفعل فيصير منصوباً فيصح حذفه كما في قوله‏:‏

فما أدري أغيرهم تناء *** وطول العهد أو مال أصابوا

يريد أصابوه، وقد يجوز على رأي الكوفيين أن لا تكون الجملة صفة، بل مضاف إليها ‏(‏يوم‏)‏ محذوف لدلالة ما قبله عليه فلا تحتاج إلى ضمير، ويكون ذلك المحذوف بدلاً من المذكور ومن ذلك ما حكاه الكسائي أطعمونا لحماً سميناً، شاة ذبحوها بجر شاة على تقدير لحم شاة وحكى الفراء مثل ذلك، ومنه قوله‏:‏

رحم الله أعظما دفنوها *** بسجستان طلحة الطلحات

في رواية من خفض طلحة، والبصريون لا يجوّزون حذف المضاف، وترك المضاف إليه على خفضه، ويقولون بشذوذ ما ورد من ذلك، وقرأ أبو سرار‏:‏ ‏(‏لا تجزي نسمة عن نسمة‏)‏ وهي بمعنى النفس‏.‏

‏{‏وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ‏}‏ الشفاعة كما في «البحر» ضم غيره إلى وسيلته وهي من الشفع ضد الوتر لأن الشفيع ينضم إلى الطالب في تحصيل ما يطلب فيصير شفعاً بعد أن كان فرداً والعدل الفدية، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروي عنه أيضاً البدل أي رجل مكان رجل، وأصل العدل بفتح العين ما يساوي الشيء قيمة وقدراً وإن لم يكن من جنسه وبكسرها المساوى في الجنس والجرم، ومن العرب من يكسر العين من معنى الفدية، وذكر الواحدي أن ‏(‏عدل‏)‏ الشيء بالفتح والكسر مثله، وأنشد قول كعب بن مالك‏:‏

صبرنا لا نرى لله عدلا *** على ما نابنا متوكلينا

وقال ثعلب‏:‏ العدل الكفيل والرشوة ولم يؤثر في الآية والضميران المجروران بمن إما راجعان إلى النفس الثانية لأنها أقرب مذكور ولموافقته لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ ولأنه المتبادر من قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ‏}‏ ومعنى عدم قبول الشفاعة حينئذٍ أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها وإما إلى الأولى لأنها المحدث عنها، والثانية فضلة ولأن المتبادر من نفي قبول الشفاعة أنها لو شفعت لم تقبل شفاعتها، وحينئذٍ معنى عدم أخذ العدل من الأولى أنه لو أعطى عدلاً من الثانية لم يؤخذ، وكأن في الآية على هذا نوعاً من الترقي ارتكب هنا وإن لم يرتكب في مقام آخر كأنه قيل‏:‏ إن النفس الأولى لا تقدر على استخلاص صاحبتها من قضاء الواجبات وتدارك التبعات لأنها مشغولة عنها بشأنها، ثم إن قدرت على نفي ما كان بشفاعة لا يقبل منها، وإن زادت عليه بأن ضمت الفداء فلا يؤخذ منها، وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة وأنى لها ذلك فلا تتمكن منه، واختار الكواشي جعل الضمير الأول للنفس الأولى، والثانية للثانية على اللف والنشر لما فيه من إجراء الجملتين على المعنى الظاهر منهما، ويهوّن أمر التفكيك الاتضاح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ولا تقبل بالتاء، وسفيان ‏{‏يَقْبَلُ‏}‏ بفتح الياء، ونصب شفاعة على البناء للفاعل، وفيه التفات من ضمير المتكلم في ‏{‏نِعْمَتِيَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 7 4‏]‏ الخ إلى ضمير الغائب وبناؤه للمفعول أبلغ‏.‏

‏{‏وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ النصر في الأصل المعونة، ومنه أرض منصورة ممدودة بالمطر، والمراد به هنا ما يكون بدفع الضرر أي ولاهم يمنعون من عذاب الله عز وجل والضمير راجع إما إلى ما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة فيكون من قبيل ما تقدم ذكره معنى بدلالة لفظ آخر، وإما إلى النفس المنكرة من حيث كونها لعمومها بالنفي في معنى الكثرة كما قيل في قوله تعالى‏:‏

‏{‏فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 7 4‏]‏ وأتى به مذكراً لتأويل النفوس بالعباد والأناسي، وفيه تنبيه على أن تلك النفوس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطانه تعالى، وأنهم ناس كسائر الناس في هذا الأمر، وعوده إلى النفسين بناءً على أن التثنية جمع ليس بشيء، وجعل النفي منسحباً على جملة اسمية للتقوى، ورفع ‏{‏هُمْ‏}‏ على الابتداء والجملة بعده خبره، وجعله مفعولاً لما لم يسم فاعله والفعل بعده مفسر فتوافق الجمل لا أوافق على اختياره وإن ذهب إليه بعض الأجلة وتمسك المعتزلة بعموم الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وكون الخطاب للكفار والآية نازلة فيهم لا يدفع العموم المستفاد من اللفظ، وأجيب بالتخصيص من وجهين، الأول‏:‏ بحسب المكان والزمان فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيها سعة وطول، ولعل هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدته ثم يأذن بالشفاعة، وقد قيل‏:‏ مثل ذلك في الجمع بين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 101‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 5 2‏]‏ وكون مقام الوعيد يأبى عنه غير مسلم، والثاني‏:‏ بحسب الأشخاص إذ لا بد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات فليس العام باقياً على عمومه عندهم وإلا اقتضى نفي زيادة المنافع وهم لا يقولون به، ونحن نخصص في العصاة بالأحاديث الصحيحة البالغة حد التواتر، وحيث فتح باب التخصيص نقول أيضاً‏:‏ ذلك النفي مخصص بما قبل الإذن، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 3 2‏]‏ وهو تخصيص له دليل، وتخصيصهم لا يظهر له دليل على أن الشفاعة بزيادة المنافع يكاد أن لا تكون شفاعة وإلا لكنا شفعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عند الصلاة عليه مع أن الإجماع وقع منا ومنهم على أنه هو الشفيع، وأيضاً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 9 1‏]‏ ما يشير إلى الشفاعة التي ندعيها ويحث على التخصيص الذي نذهب إليه رزقنا الله تعالى الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة، ولما قدم سبحانه ذكر نعمه إجمالاً أراد أن يفصل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة فقال‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏

‏{‏وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب‏}‏ وهو على الشائع عطف على ‏{‏نِعْمَتِيَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 7 4‏]‏ بتقدير‏:‏ اذكروا كيلا يلزم الفصل بين المعطوفين بأجنبي وهو اتقوا وقد تقدم قبل ما ينفعك هنا، وقرىء ‏(‏أنجيناكم‏)‏، و‏(‏ أنجيتكم‏)‏ ونسبت الأول للنخعي، والآل قيل‏:‏ بمعنى الأهل وإن ألفه بدل عن هاء، وإن تصغيره أهيل، وبعضهم ذهب إلى أن ألفه بدل من همزة ساكنة وتلك الهمزة بدل من هاء، وقيل‏:‏ ليس بمعنى الأهل لأن الأهل القرابة والآل من يؤول إليك في قرابة أو رأي أو مذهب، فألفه بدل من واو، ولذلك قال يونس في تصغيره‏:‏ أويل، ونقله الكسائي نصاً عن العرب، وروي عن أبي عمر غلام ثغلب إن الأهل القرابة كان لها تابع أولاً، والآل القرابة بتابعها فهو أخص من الأهل، وقد خصوه أيضاً بالإضافة إلى أولي الخطر فلا يضاف إلى غير العقلاء ولا إلى من لا خطر له منهم، فلا يقال آل الكوفة، ولا آل الحجام وزاد بعضهم اشتراط التذكير فلا يقال آل فاطمة ولعل كل ذلك أكثري وإلا فقد ورد على خلاف ذلك كآل أعوج اسم فرس، وآل المدينة، وآل نعم، وآل الصليب، وآلك ويستعمل غير مضاف كهُم خير آل ويجمع كأهل فيقال آلون‏:‏ وفرعون لقب لمن ملك العمالقة ككسرى لملك الفرس، وقيصر لملك الروم، وخاقان لملك الترك، وتبع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة وقال السهيلي‏:‏ هو اسم لكل من ملك القبط ومصر، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، وقد اشتق منه باعتبار ما يلزمه فقيل‏:‏ تفر عن الرجل إذا تجبر وعتا، واسم فرعون هذا الوليد بن مصعب قاله ابن إسحاق، وأكثر المفسرين وقيل‏:‏ أبوه مصعب بن ريان حكاه ابن جرير، قيل‏:‏ قنطوس حكاه مقاتل، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا‏:‏ إن اسمه قابوس، وكنيته أبو مرة وكان من القبط، وقيل‏:‏ من بني عمليق أو عملاق بن لاوز بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام، وهم أمم تفرقوا في البلاد، وروي أنه من أهل اصطخر ورد إلى مصر فصار بها ملكاً، وقيل‏:‏ كان عطاراً بأصفهان ركبته الديون فدخل مصر وآل أمره إلى ما آل وحكاية البطيخ شهيرة وقد نقلها مولانا مفتي الديار الرومية في «تفسيره»، والصحيح أنه غير فرعون يوسف عليه السلام، وكان اسمه على المشهور الريان بن الوليد، وقد آمن بيوسف ومات في حياته وهو من أجداد فرعون المذكور على قول، ويؤيد الغيرية أن بين دخول يوسف ودخول موسى عليهما السلام أكثر من أربعمائة سنة، والمراد بـ آل فرعون هنا أهل مصر أو أهل بيته خاصة أو أتباعه على دينه، وب أنجيناكم أنجينا آباءكم، وكذا نظائره فلا حجة فيها لتناسخي، وهذا في كلام العرب شائع كقوله حسان‏:‏

ونحن قتلناكم ببدر فأصبحت *** عساكركم في الهالكين ‏(‏تجول‏)‏ و‏(‏ يسومونكم‏)‏ من السوم، وأصله الذهاب للطلب، ويستعمل للذهاب وحده تارة، ومنه السائمة، وللطلب أخرى، ومنه السوم في البيع، ويقال‏:‏ سامه كلفه العمل الشاق، والسوء مصدر ساء يسوء، ويراد به السيء، ويستعمل في كل ما يقبح كأعوذ بالله تعالى من سوء الخلق و‏(‏ سوء العذاب‏)‏ أفظعه وأشده بالنسبة إلى سائره، وهو منصوب على المفعولية ليسومونكم بإسقاط حرف الجر أو بدونه، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة، وهي حكاية حال ماضية، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من ضمير ‏{‏نجيناكم‏}‏ أو ‏{‏مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ‏}‏، وهو الأقرب، والمعنى يولونكم أو يكلفونكم الأعمال الشاقة، والأمور الفظيعة أو يرسلونكم إليها ويصرفونكم فيها أو يبغونكم سوء العذاب المفسر بما بعده، وقد حكي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدماً وخولاً، وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يخدمون ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية يؤديها كل يوم، ومن غربت عليه الشمس قبل أن يؤديها غلت يده إلى عنقه شهراً، وجعل النساء يغزلن الكتان، وينسجن‏.‏

‏{‏يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ‏}‏ جملة حالية أو استئنافية كأنه قيل‏:‏ ما الذي ساموهم إياه، فقال‏:‏  ‏{‏يُذَبّحُونَ‏}‏ الخ، ويجوز أن تخرج على إبدال الفعل من الفعل كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَلْقَ أَثَاماً يضاعف لَهُ العذاب‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 68، 69‏]‏، وقيل‏:‏ بالعطف وحذف حرفه لآية إبراهيم، والمحققون على الفرق، وحملوا ‏{‏سُوء العذاب‏}‏ فيها على التكاليف الشاقة غير الذبح، وعطف للتغاير، واعتبر هناك لا هنا على رأيهم لسبق ‏{‏وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 5‏]‏، وهو يقتضي التعداد، وليس هنا ما يقتضيه، والأبناء الأطفال الذكور، وقيل‏:‏ إنهم الرجال هذا وسموا أبناء باعتبار ما كانوا قبل، وفي بعض الأخبار أنه قتل أربعين ألف صبي، وحكي أنه كان يقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج والتجمع لإفساد أمره، والمشهور حمل الأبناء على الأول، وهو المناسب المتبادر، وفي سبب ذلك أقوال وحكايات مختلفة ومعظمها يدل على أن فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل ففعل ما فعل ‏{‏وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 8 3‏]‏ وقرأ الزهري وابن محيصن‏:‏ ‏{‏يُذَبّحُونَ‏}‏ مخففاً، وعبد الله‏:‏ ‏{‏يَقْتُلُونَ‏}‏ مشدداً ‏{‏وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ‏}‏ عطف على ‏{‏يُذَبّحُونَ‏}‏ أي يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات، وقيل‏:‏ يفتشون في حيائهن ينظرون هل بهن حمل والحياء الفرج لأنه يستحى من كشفه، والنساء جمع المرأة، وفي «البحر» إنه جمع تكسير لنسوة على وزن فعلة جمع قلة، وزعم ابن السراج أنه اسم جمع، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه، وهي في الأصل البالغات دون الصغائر، فهي على الوجه الأول مجاز باعتبار الأول للإشارة إلى أن استبقاءهم كان لأجل أن يصرن نساءً لخدمتهم، وعلى الثاني فيه تغليب البالغات على الصغائر، وعلى الثالث حقيقة، وقدم الذبح لأنه أصعب الأمور وأشقها عند الناس وإن كان ذلك الاستحياء أعظم من القتل لدى الغيور‏.‏

‏{‏وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ‏}‏ إشارة إلى التذبيح والاستحياء، أو إلى الإنجاء، وجمع الضمير للمخاطبين، ويجوز أن يشار بذلكم إلى الجملة وأصل البلاء الاختبار، وإذا نسب إليه تعالى يراد منه ما يجري مجراه مع العباد على المشهور، وهو تارة يكون بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، وتارة بهما ليرغبوا ويرهبوا فإن حملت الإشارة على المعنى الأول‏:‏ فالمراد بالبلاء المحنة، وإن على الثاني‏:‏ فالمراد به النعمة، وإن على الثالث‏:‏ فالمراد به القدر المشترك كالامتحان الشائع بينهما، ويرجح الأول‏:‏ التبادر، والثاني‏:‏ أنه في معرض الامتنان، والثالث‏:‏ لطف جمع الترغيب والترهيب؛ ومعنى ‏{‏مّن رَّبّكُمْ‏}‏ من جهته تعالى إما بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم أو بهما جميعاً، و‏(‏ عظيم‏)‏ صفة ‏(‏بلاء‏)‏ وتنكيرهما للتفخيم، والعظم بالنسبة للمخاطب، والسامع لا بالنسبة إليه تعالى لأنه العظيم الذي لا يستعظم شيئاً‏.‏

ومن باب الإشارة‏:‏ والتأويل‏:‏ وإذ نجيناكم من قوى فرعون النفس الأمارة المحجوبة بأنانيتها، والنظر إلى نفسها المستعلية على إهلاك الوجود، ومصر مدينة البدن المستعبدة، وهي وقواها من الوهم، والخيال، والغضب، والشهوة القوى الروحانية التي هي أبناء صفوة الله تعالى يعقوب الروح، والقوى الطبيعية البدنية من الحواس الظاهرة والقوى النباتية أولئك يكلفونكم المتاعب الصعبة، والأعمال الشاقة من جمع المال، والحرص وترتيب الأقوات والملابس وغير ذلك، ويستعبدونكم بالتفكر فيها والاهتمام بها لتحصل لكم لذة هي في الحقيقة عذاب وذلة لأنها تمنعكم عن مشاهدة الأنوار، والتمتع بدار القرار ‏{‏يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ‏}‏ التي هي القوى الروحانية من القوى النظرية التي هي العين اليمنى للقلب، والعملية التي هي العين اليسرى له، والفهم الذي هو سمعه، والسر الذي هو قلبه ‏{‏وَيَسْتَحْيُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 49‏]‏ قواكم الطبيعية ليستخدموها ويمنعوها عن أفعالها اللائقة بها‏.‏ وفي ذلك الإنجاء نعمة عظيمة من ربّكم المرقي لكم من مقام إلى مقام ومشهد إلى مشهد حتى تصلوا إليه وتحطوا رحالكم بين يديه، أو في مجموع ذلك امتحان لكم وظهور آثار الأسماء المختلفة عليكم فاشكروا واصبروا فالكل منه وكل ما فعل المحبوب محبوب‏.‏